حواريات مارتن و كارل: ظل حكيم
المشهد: مقهى هادئ على شرفة تطل على شارع مزدحم في المدينة، الضوء الدافئ يتسلل بين النوافذ، مارتن وكارل يجلسان على طاولة خشبية قديمة، الأكواب بين أيديهما، صمت ممتد قبل أن يبدأ الحوار.
مارتن: يا كارل… إنني حقًا لا أفهم ماذا يجري في روح حكيم. أحبه… نعم، أراه…
أراه عالقًا، كأن شيئًا ما يوقفه عن كل شيء: قراراته، حريته، اختياراته. كأن
الحياة تمشي أمامه، وهو واقف، يراقبها من بعيد. كيف ترى الأمر، وأنت ربما أقرب
إليه مني؟
كارل: (يتنهد،
يعبث بفنجان القهوة بين يديه) يا مارتن… كم مرة قلت لك، تعجب بكل شيء إلا بحكيم
نفسه. أنت تعرف أنه بدأ حياته بانفصال كامل عن قواعد الحياة الاجتماعية، أنه كبير
يتبع حدسه فقط… لا أحد يفرض عليه شيء، حتى هو نفسه أحيانًا. هناك تفاصيل كثيرة،
تجعل متابعة حياته، وهو الآن في سن الثلاثين، واضحة لمن يراقب بصمت. دعك من دهشتك
التي لا تأتي بتحليل حقيقي، ربما بالكثير من الأحكام المتسرعة.
مارتن: أفهمك، يا كارل… لكن، أليس من مسؤوليتنا أن نساعده؟ أن نقف بجانبه، أن
نحاوره، أن نفتح له نوافذ جديدة، لتحرره من كل ما يجعل حياته ركب رمال، مخنق…
أحيانًا أشعر أن كل شيء بداخله محبوس، أنه يرفض أي شيء يمكن أن يُخرج نفسه من هذا
المأزق.
كارل: (ينظر
بعيدًا نحو الشارع المزدحم، يراقب المارة بصمت) هيا، قل لي… تقدم بخطة.
مارتن: لا خطة لدي يا صديقي، أتحدث فقط لأنني قلق… قلق حقيقي على صديقي.
كارل: وهل تعتقد أنك أول من يشعر بالقلق؟ لقد قلقتُ، وقلقتَ، وسنقلق جميعًا.
لكن ربما أرى حلاً… أو على الأقل أرى حكيم بوضوح، وأفهم تجربته. لا أقدر إلا أن
ألاحظه، أن أتعلم منه… فهو رغم كل أخطائه الفاضحة، وعدم اهتمامه أحيانًا بنفسه،
يأخذ تجارب نادرة، لحظات تنير له طريقه. أراه كأنه يعيش حياته كتجربة، ونحن فقط
شهود على التعلم الذي يحدث داخله…
مارتن: حسناً، يا كارل… لكن ربما لابد عليك أن تتدخل يومًا ما. ألا تشعر أن
هناك لحظة تأتي فيها الحاجة لأن تتصرف؟ ألا يجب أن تدفعه إلى شيء، أن تهزه قليلاً؟
كارل: (يتكئ
على الطاولة، عينيه ثابتة على كوب القهوة، صوته منخفض) مم… التدخل… لا أعرف،
مارتن. التدخل بالنسبة لي ليس بالطرق المباشرة. أحيانًا تكون الطريقة الوحيدة أن
تكون هناك فقط، أن تراقب بصمت، أن تتقبل كل تفاصيله، حتى الأخطاء الكبيرة منها.
أنا أؤمن بأن حكيم لن يتغير بالقوة، بل بالمعاناة، بالوعي الذاتي، بالوقت… وربما
إن حاولنا أن نخرجه من طريقه، فإننا نحرمه من رحلة لن يفهم قيمتها إلا بعد أن
يعيشها كاملة.
مارتن: لكن ألا تخاف ألا ينجو من نفسه؟ ألا تخاف أن يغرق قبل أن يتعلم؟
كارل: (ينظر
إلى النافذة، صوت السيارات يختلط بضجيج المدينة) نعم، أخاف. لكن الخوف جزء من
مراقبة الحياة، جزء من الحب الصامت. أحيانًا يكون حب المرء لشخص آخر أن يترك له
مساحة، حتى لو كانت مؤلمة، حتى لو تركته يخطئ… أحيانًا، كل ما يمكننا فعله هو أن
نكون هناك، أن نحتضن اللحظة، أن نحمل الصمت معنا، أن نترك الحياة تفعل ما يجب.
مارتن: أرى… ربما… ربما عليك أن تكون مرآة له، يا كارل، لا منقذ.
كارل: نعم، ربما… أن نكون مجرد مرايا… لكن مرايا صادقة، متمسكة بالواقع،
صامتة حين يجب الصمت، حاضرة حين يجب الحضور… أحيانًا أظن أن هذه هي الطريقة
الوحيدة ليبقى حكيم هو نفسه، ليعيش كل لحظة كما يجب أن يعيشها، ليأخذ من حياته
دروسها، قبل أن يخرج منها بصورته الحقيقية.
يصمت الاثنان،
يسمعان خفقان المدينة، ثم يترك كل منهما نفسه تغوص في التفكير، بينما تتحرك الحياة
حولهما، صاخبة، صامتة، مستمرة.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق