آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

ما أخبارها الحياة؟

أسألها كما لو كانت امرأة غامضة تقف عند نهاية شارعٍ طويل، تبتسم بسخريةٍ وتشير بيدها إلى طريقٍ لا أعرف أين يقود. كأنني أبحث عن إشارتها، عن سرّها، عن كلمةٍ واحدة تقولها لتبرّر كل هذا الدوار الذي نحمله في صدورنا. كم يبدو الأمر عبثيًا… نعم، لكن ما أجمل هذا العبث حين يصبح سلاحًا ضد الصمت!

ما أخبارها الحياة؟
هل تضحك الآن من كثرة ما نفتّش في جيوبها عن معنى؟
هل تراقب خطواتي الأولى بعد أن مزّقتُ الخرائط القديمة، وتركتُ خلفي كل زاويةٍ ضيقة كنت أظن أنّني أنتمي لها؟
هل هي فخٌّ أم فرصة؟
أم لعلهما معًا بشكل مدهش وموجع؟

لقد حاولتُ طويلًا أن أبقى عند حدود تجربتي، أن لا أمدّ يدي نحو الأسئلة الحارقة… لكن ألمي كان أكبر من قدرتي على الصمت، وفضولي أقوى من كل وصايا الخوف. كيف لا أهبّ كالريح إذا سمعت همسًا في داخلي يسأل: «من أنت؟ وما معنى ما يجري؟»
لم أستطع أن أتحمّل عار العيش دون أن أفهم ما إذا كان هذا الجسدُ لي وحدي أم هو استعارة عابرة في نصّ أكبر من كل أحلامي.

أنا أعلم حجم المخاطرة
منذ اللحظة التي أغلقتُ فيها باب المسجد خلفي، لا بغضًا ولا تمرّدًا، بل بحثًا عن إيمانٍ يشبهني ويُشبه عطشي الأبدي للمعرفة.
ومنذ اليوم الذي سمحت فيه لعقلي أن يسير بين الناس حرًّا، لا يقوده قطيع ولا تُلزمه قيود، قررت أنني سأدفع الثمن بكامل وعيي
لذا لا ندم يسكنني.
ولا خوف يجرؤ على الاقتراب منّي.
سأستمر هكذا، أعبر من نافذة إلى أخرى، أطرقُ جدران اللغز، أبحث عن نفسي حتى لو لم أجدها أبدًا.

ما أخبارها الحياة؟
أتراها سعيدة بما صنعتُ؟
هل تبتسم الآن لأنها رأتني أخيرًا أتجرّأ على أن أكون؟
ربما… وربما لا يهم.

في النهاية، أنا لا أطلب منها شيئًا،
ولا أعلّق مصيري على مزاجها المتقلّب.
كل ما أريده فقط
أن أمشي دون انحناء،
أن أقاوم دون اعتذار،
وأن أحبّ ما تبقى منّي في كل مرة أسقط فيها وأقف من جديد.

ما أخبارها الحياة؟
لتقل ما تشاء
أما أنا، فسأظل أسألها،
لأن السؤال نفسه
هو ما يُبقيني حيًّا.

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")