مقدمة رواية: في البحث عن كارل

 هنالك لحظة ما، لا أعرف أين تبدأ بالتحديد، ربما عند تخوم الصمت أو عند حافة سؤال قديم لم يجد طريقه إلى الكلام، لحظة يكتشف فيها الإنسان أن العزلة ليست مجرد انسحاب من العالم، بل هي شكل آخر من أشكال الحقيقة.

الحقيقة حين ننزع عن وجوهنا كل الأقنعة التي أنشأها الانتماء — العائلة، العادات، المجتمع، الأفكار الثقيلة التي نولد داخلها — ونكتشف أنفسنا كما نحن: مترددين، هشّين، متشظّين، لكننا في الوقت نفسه أصليّون بصورة لا تتكرّر.

في عمر الثلاثين، عند مفترق يبدو بسيطًا من الخارج لكنه متلاطم في الداخل، وجدتني أقف أمام حياتي كمن يعيد النظر في خريطة رسمها بنفسه، لكنه لم يعد يعرف من أين يبدأ خط الرحلة ولا أين ينتهي.
قررت أن أكتب.
لا كي أروي قصة ناجزة مكتملة، بل لأتتبع قطرة الوعي الأولى التي بدأت تسائلني:
من أنا؟
ما الذي تبقى مني حين ينسحب الآخرون؟
وماذا يتبقى مني حين أحاول أن أكون نسخة مناسبة لهم؟

كنت دائمًا أعيش بين فكرتين لا تكفّان عن المنازعة.
فكرة تقول إن على المرء أن يثق بصوته الداخلي، أن يتبع حدسه، أن يتحرك بثبات نحو رؤيته الخاصة للحياة، دون أن يعتدي على أحد، ودون أن يختنق من أجل أن يرضي أحدًا.
وفكرة أخرى تسحبني نحو الناس: أن أصغي إليهم، أن أترك توقعاتهم ترتّب يومي، أن أساير ما ينتظرونه مني — العائلة، العمل، العلاقات، وحتى المنظومات الفكرية التي تلوّن وجود الفرد دون أن يختار لونها بنفسه.

هذا الصراع ليس نظريًا كما يبدو… إنه يعيش في التفاصيل الصغيرة لليوم الواحد.
أين يقف صوتي؟
وأين تقف أصوات الآخرين؟
وكم يستحق كل واحد منهما من مساحتي الداخلية؟

في الحب مثلًا، أجدني أميل مرة إلى أن أكون أنا كما أعرفني، ومرة أخرى إلى أن أتحوّل إلى ما يراه الآخر بي.
أكاد أسأل نفسي كل مرة:
هل الحب فعل قوة أم فعل ليونة؟
هل أفرض رؤيتي بمن أحب، أم أذوب في رؤيته هو لي؟
أهو تعاطف؟ أم خوف؟ أم رغبة في الأمان؟
وهل يمكن لإنسان أن يحب دون أن يخسر شيئًا من ذاته، ولو قليلًا؟

وبعيدًا عن الحب، أرى نفسي في أعين الآخرين صورًا لا تتشابه:
هناك من يصفني بالمتهور، وآخر يراني حكيمًا، وثالث يجد في حضوري شيئًا يجذبه دون أن يعرف لماذا.
تعدد هذه المرايا يجعلني أحتار:
أيّ صورة منهم أقرب إليّ؟
وأيّهم مجرد ظل لحاجتهم لا لحقيقتي؟

ومع أنني أفرح حين أساعد أحدًا، وأشعر بالامتلاء عندما يمرّ يوم أكون فيه جزءًا من سعادة شخص، فإن شيئًا يشبه الفراغ يزحف داخلي حين أجد نفسي بلا هدف واضح، بلا أثر أتركه، بلا صوت أسمعه من الخارج أو الداخل.
كأن المعنى يهرب مني حين أصمت، أو حين أسكت رغبتي العميقة في الارتباط.

وفي لحظة هدوء مخصوصة — لا أتذكر متى جاءت — أدركت أنني لست بحاجة إلى جواب بقدر حاجتي إلى رحلة.
رحلة أبحث فيها لا عن شخص آخر، ولا عن فكرة مثالية، بل عني أنا.
عن كارل كما أعرفه في داخلي، وكما يخيفني أحيانًا، وكما يفلت مني في ازدحام الضوضاء، وكما يظهر فجأة في لحظات صدق قصيرة، تشبه شرارة أو ومضة.

وهكذا، صار هذا الكتاب محاولة للذهاب نحو تلك الومضة.
محاولة للعثور على معنى ما، ولو كان مؤقتًا، أو هشًّا، أو غير مطمئن.
فالمعنى ليس دائمًا يقينًا؛ أحيانًا يكون مجرّد خطوة إلى الأمام، تكفي لكي ترى الطريق من زاوية جديدة.

«في البحث عن كارل» ليس سيرة، ولا فلسفة شخصية، ولا تحليلًا نفسيًا.
هو مجرد محاولة للعيش بوعي أكثر، للإنصات لطبقات الذات المتعددة، وللسير بين عالمين: العالم الذي فيّ، والعالم الذي حولي، دون أن يبتلع أحدهما الآخر.

إنه بداية طريق… وربما النهاية مجرد بداية أخرى.
أما أنا، فكل ما أريده أن أصل، في نهاية هذه الصفحات، إلى لحظة أستطيع فيها أن أقول:
هذا أنا — أو على الأقل، هذا ما استطعت أن أكونه في رحلتي إلى نفسي.

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")