سيرة مخمور يفكر بوضوح
كثيرًا ما أشعر أنني أعيد تدوير الحياة كعلبة صدئة، أعيد طيّ التجارب مثل ورق لا ينتهي، ألوّن الوجع بألوان أخرى ثم أعود فأبكي بنفس الدمع. كأن القدر لا يملّ من وضع نفس العقدة في طريق كل محاولة جديدة للخلاص. وبدل أن أهرب، أجدني أركض في دوائر أوسع فقط… لكنها لا تزال دوائر.
ومع ذلك،
الليلة مختلفة. الليلة لا أبحث عن مبررات ولا عن حكم جاهزة. الليلة أكتب لأن هناك
شيئًا يتململ في صدري، يريد أن يصعد إلى السطح قبل أن أخون شجاعته غدًا. أكتب لأن
السكر يعطيني الحرية التي يخافها عقلي في وضوحه، ولأن الحقيقة — مهما كانت فوضوية
— أجمل من الصمت المحترم.
أريد أن أتوقف
هنا، عند امرأة صنعت لي قلبًا لا يزال يعرف العودة إلى الحب حتى لو تعثر. أمي…
صوتها الذي يأتيني عبر تطبيق بارد، يضيء داخلي كنافذة قديمة في بيت طفولتي. أحب
كيف تقول كل شيء ببساطة: “انت بخير”، كأنها تعقد صُلحًا خفيًا بيني وبين العالم.
تسجيلاتها ليست رسائل… إنها ضوء. ومن يملك الضوء، يملك طريقًا دائمًا، حتى لو تأخر
في السير.
ثم هناك هؤلاء
الذين سكنوا القلب بلا عقد ولا نصوص اتفاق: أحببتهم كطقس قديم، كدين لا يطالبني
بشيء سوى الإخلاص. ربما لم يعلموا يومًا أنهم جزء من صلاتي الصامتة، أو من دعائي
الأزلي بألا أتصلب من الخيبات. سلامٌ لهم واحدًا واحدًا، يسري في أجسادهم دون أن
يحتاجوا إلى معرفته.
وسلامٌ أكبر
عليّ.
أنا الذي خفت
طويلًا من أن أكون صادقًا مع نفسي حدّ الفضيحة.
إن الخصوصية لم
تعد حائطًا متينًا في زمن العيون المفتوحة دائمًا.
نحن كائنات
مكشوفة، ننشر جراحنا، ونسخر من ألمنا، ونعود إلى بيوتنا نبحث عن أحد يطمئننا أننا
حقيقيون بما يكفي. لا عيب في أن أقول هذا، فأنا ابن هذا العصر: عصر القلوب العامة
والأنفاس المحفوظة في ذاكرات الأجهزة.
سأعترف بشيء
أخير: غدًا قد أضحك على هذا الاعتراف.
قد أستيقظ
ورأسي ثقيل، وأفكاري أكثر تحفظًا، وأجد نفسي أبحث عن زر الحذف في خجل.
سأقول: تلك
كانت هلوسات الجعة، لعبت بي قليلًا ثم تركتني على أرض الواقع.
لكنّي أعرف —
في عمق أعرفه ولا أجادله — أن ما أقوله الآن صادق لدرجة لا تحتاج إلى أي كأس
لتبريره.
هذه الكتابة
ليست نزوة، وإن بدأت كنزوة.
إنها أثر.
أردت دائمًا أن
أترك أثرًا يدل على أنني لم أعش عبثًا، أنني حاولت أن أفهم الدور الذي أؤديه في
هذا العالم السريع، أنني لم أخف من الوقوف أمام مرآة روحي، حتى ولو اهتزّ وجهي
فيها.
فإذا كان عليّ
أن أعيد الدوران مرارًا، فليكن…
لكنني على
الأقل سأترك علامة:
سأكتب اسمي على
جدار الدائرة، وسأقول للقدر:
أنا لست نسخة
مكررة من الأمس.
أنا
المحاولة المستمرة لتجاوز الأمس.
وإلى أن أصل…
سأكتب،
وسأحب،
وسأرتجف،
وسأعيد
المحاولة…
بكل سُكري
ووعيي وقلبي الذي لا يقبل الموت دون أن يدوّن نفسه جيدًا.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق