حكاية الإنسان الذي لم يؤمن
أجلس أحيانًا كمن يطلّ على العالم من مرتفعاتٍ غير ثابتة.
كلّ ارتفاع
يمنحني زاوية مختلفة، وكلّ زاوية تُغيّر شكل الوجود من حولي، حتى أظنّ أن الكون
ليس حقيقةً واحدة، بل احتمالات كثيرة أراها بتبدّل حال الوعي فيّ.
في بعض اللحظات
أرى الحياة متماسكة، كأنها خيوط سرٍّ عظيمٍ متشابكٍ بعناية،
وفي لحظاتٍ
أخرى أراها عبثًا جميلًا، كلوحةٍ لم تكتمل بعد، وكلّ منا يضع فيها لونًا ثم يمضي.
لقد تعلمت أن
أرى نفسي من مستوياتٍ متناقضة — مرةً بعمقٍ يقترب من جوهر الأشياء، ومرةً بسطحيةٍ
تثير السخرية من ذاتي.
أستطيع أن
أتبنّى نظرة الآخر إلى العالم، أن أسكنها، أن أرى من خلالها تفاصيل لم أنتبه لها،
ثم أعود إلى نفسي فأرفضها، كمن خلع جلدًا لا يشبهه.
أنا هذا
التناوب المستمر بين الامتثال والتمرّد، بين الإيمان المؤقت والشكّ الأبدي، بين
الاندماج في الرؤية العامة والرغبة في الانفصال عنها.
ولعلّي الآن،
بعد مسافاتٍ طويلة من التيه، صرت أوقن أن السؤال أثمن من الإجابة.
ما عدت أبحث عن
“حقيقة كبرى”، بل عن اتساقٍ داخليّ يسمح لي أن أعيش وأنا أعي هشاشتي.
لقد انتهى زمن
الدهشة الأولى، وبدأ زمن الصراحة مع النفس:
أن أضع أصابعي
على جرح السؤال دون خوفٍ من الألم،
أن أقبل بأنّ
“المعنى” ليس وحيًا يُلقى من الخارج، بل بناءٌ إنسانيّ ننسجه بأنفسنا ونحن نحاول
أن نفهم.
أنا لا أرى
العالم من منظار غيبيّ، ولا أستند إلى سلطةٍ تُقرّر لي معنى وجودي.
ربما لا أؤمن
بإلهٍ كما يُقدَّم في الموروث،
لكنّي أؤمن بما
يمكن أن نسميه الدهشة الكونية، ذلك الشعور العميق بأن هناك شيئًا في الوجود
يستحق التأمل، حتى لو لم يكن وراءه قصدٌ أو عقلٌ كليّ.
أؤمن بأن
الإنسان قادر على أن يمنح الحياة معناها، دون أن ينتظر أن يُملى عليه من السماء.
فالقداسة ليست
في النصوص وحدها، بل في العيون التي تنظر، وفي القلوب التي تعرف أن تحب رغم الفناء.
كبرتُ في بيئةٍ
تعجّ بالتناقضات:
بين الدين الذي
يعدّ بالخلاص، والواقع الذي يسلب القدرة على الحلم،
بين الفن الذي
يفتح الأفق، والاقتصاد الذي يُغلقه،
بين الأسطورة
التي تبني المخيّلة، والعقل الذي يطالب بالبرهان.
تربّيت على أن
العالم منقسم بين “حقٍّ وباطل”، بين “إيمانٍ وكفر”، لكنني اكتشفتُ لاحقًا أن
الحياة لا تُقسَّم بهذا الشكل،
وأن الإنسان لا
يُختصر في معتقدٍ أو انتماء، بل في وعيه، في نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، في
قدرته على التعاطف والخلق والتجاوز.
أنا الآن أرى
نفسي ككائنٍ يتعلّم باستمرار كيف يعيش دون أوهامٍ مريحة.
أحاول أن
أتحمّل فكرة أن الكون قد لا يحمل قصدًا، وأن الجمال لا يحتاج إلى تفسير،
أنّ الحبّ قد
يكون فعل مقاومةٍ في وجه العدم،
وأنّ الكتابة
هي الطريقة الوحيدة التي أملكها لأبقي على المعنى حيًّا، ولو في حدود اللغة.
ما كنت أبحث
عنه يومًا ليس الله بصفته فكرة، بل المعنى بصفته حاجة بشرية.
حين كنتُ أصلي
صغيرًا، لم أكن أطلب “النجاة”، بل كنتُ أحاول أن أطمئن أن هناك من يسمع.
وحين كبرت،
أدركتُ أن السماع لا يأتي من الخارج، بل من أعماقي أنا.
إن الإصغاء
الحقيقيّ يبدأ حين نكفّ عن توجيه الأسئلة إلى السماء، ونبدأ بطرحها على أنفسنا.
هكذا يصبح
الوعي فعل عبادةٍ بلا معبد، والصدق نوعًا من الصلاة بلا طقوس.
أنا لا أزعم
أنني عرفت نفسي، ولا أنني وجدت طريقًا ثابتًا.
لكنّي أتعلم أن
أعيش مع غموضي، أن أُصادق تناقضي،
أن أرى في
الشكّ جمالًا لا يقلّ عن جمال اليقين.
فكلّ فكرة
مطلقة تُميتني، وكلّ سؤالٍ جديد يحييني.
وأنا أفضل
الحياة على الموت، ولو كانت حياةً معلّقة بين الاحتمال والتردد.
الآن فقط، أبدأ
أفهم:
أن الحرية ليست
في أن أختار بين الإجابات، بل في أن أمتلك جرأة السؤال.
أن القيمة لا
تأتي من الإيمان بشيء، بل من الصدق في البحث عنه.
أنّ الإنسان،
في النهاية، ليس كائنًا ينتظر خلاصًا، بل يحاول أن يخلق معنى وسط العدم،
وهذا وحده، في
نظري، هو جوهر الجمال، بل ربما — جوهر الوجود.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق