هوية تتشكل في العتمة

 لا أعرف كيف أكبر، أو كيف يفترض للإنسان أن ينمو وهو لا يرى معالمه بوضوح. أحياناً أشعر أنني أتحرك في الزمن أكثر مما أتغيّر، كأنني أضيف سنوات إلى عمري دون أن أضيف فهماً متماسكاً لنفسي. أكبر كمن يسير في ممر طويل، جدرانه ملساء لا تلتقط ظلي، فلا أعرف أين أقف أو أي شكل صار لي. كأن هويتي كتلة من طين رخو، أتلمّسها بأصابعي دون أن أعرف ما إذا كنت أصنع تمثالاً أم أترك الطين يعود إلى حالته الأولى في كل مرة.

وفي الجهة الأخرى، يقف العالم بخزائن ممتلئة بالهويات الجاهزة؛ يمدّ إليّ نماذج مصقولة كأقنعة مسرحية: هذا القناع يناسب الموجة الفلانية، وهذا آخر يلائم الاتجاه الرائج، وآخر ينسجم مع الإطار الفكري أو الأيديولوجي الذي يلهث الناس وراءه. كل قناع يحمل صوته، لغته، طقوسه، ومعاييره. يمكن للمرء أن يختار واحداً كما يختار معطفاً في شتاء بارد، لكن حين أجرّب هذه الأقنعة لا أسمع سوى صدى فارغ، ولا أشعر سوى بانفصال بين ملامحي وما يُطلب مني أن أبدو عليه. الهوية الجاهزة مثل غرفة أضاءوها لك، لكنها لا تحمل رائحة بيتك ولا دفء الخطوات التي صنعتك.

أعرف أن رحلة الإنسان هي رحلة اكتشاف، وأن الفضول يشبه تياراً يجري فينا منذ ولادتنا، لكن بعض الأسئلة تظل ثقيلة، كأنها كتل حجرية نحملها على الظهر. أندهش من نفسي لأنني كلما كبرت ظننت أن الأمور ستزداد وضوحاً، فإذا بها تزداد تعقيداً؛ كأن الحكمة لا تنزل علينا فجأة، ولا تنبع دفعة واحدة، بل تتقطر قطرة بعد صمت طويل، وربما لا تصل أبداً إلى حد الامتلاء.

أسأل نفسي عن الإيمان: هل هو يقين ثابت، أم قدرة على الوقوف في منطقة لا يقين فيها دون أن ننهار؟ هل الإيمان قوة تشدّ الإنسان من الداخل، أم مساحة يتسع فيها قلبه لشيء لا يستطيع أن يشرحه؟ أحياناً أفكر أن الإيمان ليس ما نتمسّك به، بل ما يبقى فينا حين نسقط كل ما تمسّكنا به.

وحين أحاول أن أتعرف على نفسي، أجدها كمشهد يتغيّر مع الضوء، لها أكثر من وجه وأكثر من ظلّ. كيف أحب نفسي إذا كانت صورتي تتحرك باستمرار؟ كيف أفهم أخطائي إذا كان الخطأ نفسه يتخفّى أحياناً في ثياب درسٍ أو نعمة مؤجلة؟ بعض الأخطاء يبقى في الذاكرة كجرح مفتوح، وبعضها يتحول إلى نافذة نطلّ منها على أنفسنا لأول مرة. لكنني لا أعرف ـ حتى الآن ـ أي أخطائي علّمتني، وأيها أكملت طريقها في أعماقي كحجارة لم أستطع رفعها.

ويظل السؤال الأخلاقي حاداً: ما معنى أن أكون خيراً؟ الخير ليس وصفة جاهزة، ولا لوناً واحداً. أحياناً يكون الخير فعلاً شاقاً، صعباً، يقاوم رغباتنا السهلة. الشر في المقابل ليس دائماً ضجيجاً أو عنفاً ظاهراً؛ كثيراً ما يتسلل في هيئة راحة، أو قرار مؤجّل، أو صمت لم نجرؤ على كسره. الخط الفاصل بين الخير والشر ليس خطاً مستقيماً، بل امتداد ضبابي قد نعبره دون أن ننتبه.

أتجوّل بين هذه الأسئلة كما يتجوّل مسافر في مدينة بلا خرائط ولا أسماء شوارع. أفتح باباً فيجدني باب آخر، أسلك ممراً فينتهي إلى مفترق جديد. ومع ذلك، ثمة دهشة لا تفارقني: كيف نعيش العمر كله دون أن نملك التصور الكامل لمن سنكون؟ كيف يمكن للإنسان أن يبني نفسه وهو لا يرى الأساسات ولا المخطط؟ كأننا نحمل في داخلنا ورشة سرّية لا تتوقف عن العمل، ومع ذلك لا نعرف ما الذي ستنجزه أيدينا حين تنتهي هذه الورشة ـ إن كانت تنتهي أصلاً.

أحياناً أتخيل الهوية كبحر تتغيّر أمواجه مع الريح، كضوء ينساب عبر زجاج مختلف السمك، ككتاب تُعاد كتابة فصوله أثناء قراءته. وربما هذا ما يجعلها صعبة وشاعرية في آن واحد: أنها ليست شيئاً نمتلكه، بل شيئاً نعيش معه ويتبدل بنا.

ورغم هذا الإرهاق، أعود إلى فكرة بسيطة تشبه جمرة صغيرة لا تنطفئ: ربما ليست مهمتنا أن نصل إلى صورة نهائية، بل أن نبقى في فعل التشكل نفسه. ربما القيمة ليست في أن نحدد من نكون، بل في أن نواصل الإصغاء إلى ما يحاول أن ينمو فينا. وربما الحكمة ليست معرفة الطريق، بل الاستعداد للمشي فيه ولو كان خافت الضوء. وربما العمق الحقيقي أن نعترف بأننا مزيج من الأسئلة، وأن هذه الأسئلة ليست نقصاً، بل نبض الحياة الذي لم يخدعنا بالسكينة المزيّفة.

وربما أعمق ما يمكن أن نبلغه هو أن ندرك أننا نُبنى كما تُبنى المدن الكبرى: ببطء، بعشوائية تبدو فوضوية من الخارج، لكنها تُخفي نظاماً لا يراه إلا الزمن. وأننا نضيء كما تضيء النوافذ في الليل، كل نافذة في وقت، لا دفعة واحدة. وأن الهوية ليست خاتمة، بل حركة، وتحوّلاً، وشغفاً خفيفاً يستيقظ كلما نظرنا إلى أنفسنا دون خوف.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")