ضوء صغير في آخر التجربة

لا تفقد الأمل في الأمور الجميلة التي رأيتها وصدّقت بها حين كنت صغيرًا، ذلك الأمل الصافي الذي لم يكن بحاجة إلى سببٍ منطقي كي يُزهر في قلبك. تذكّر كيف كنتَ تؤمن بالعجائب ببساطة، كيف كنت ترى الجمال في كل شيءٍ من حولك: في حبة المطر، في وجه أمّك، في ظلّ الغصن، في ضحكةٍ صافية لا تعرف الخوف. تلك البصيرة الطفولية لم تكن سذاجة، كانت أصدق أنواع الحكمة، لأن الطفل لا يرى العالم كما هو، بل كما يمكن أن يكون. لا تسمح لثقل الأيام أن يطفئ ذلك النور القديم فيك.

لا تخف من التجارب التي دفعتك الحياة نحوها دون إنذار. ربما وجدت نفسك في منتصف طريقٍ لم تختره، أو أمام بابٍ لم تنوِ فتحه، ومع ذلك سرتَ فيه لأن شيئًا فيك قال: “جرّب.” لا تُحاسب نفسك على دافعك الغامض إلى الاكتشاف. أحيانًا نحن لا نعرف لماذا نفعل ما نفعل، لكننا ندرك بعد حينٍ أن تلك الخطوة التي خفنا منها كانت ضرورية، وأن تلك اللحظة التي ظننّاها ضياعًا كانت في الحقيقة إشارة إلى طريقٍ جديد.

ولا تخف من الندم، فهو وجه آخر للوعي. أن تندم يعني أنك نضجت، أنك بدأت تفهم معنى الاختيار، وأنك لم تعد تكتفي بالعيش على السطح. دع الندم يمرّ من خلالك، لكن لا تجعله يُقيم فيك. سامح نفسك على كل ما فعلته حين لم تكن تعرف أفضل. سامحها على الكلمات التي قلتها بقسوة، على الصمت الذي اخترته بدل البوح، على الطرق التي سلكتها خوفًا لا رغبة. كل ما فعلته كان محاولة للفهم، وكل محاولة هي شكلٌ من أشكال الحياة. 

لقد ربّونا على الكمال، على الصورة المثالية التي لا تخطئ، على الطاعة والقياس، على أن “الصحيح” واحد، وأن “الخطأ” وصمة. لكن الحياة لا تفكر بهذه الطريقة. الحياة لا تعرف الكمال، بل تعرف التغيّر. كل شيء فيها ينمو ويتبدّل، حتى الخطأ فيه حكمة إذا أصغيتَ جيدًا. لو أدركنا ذلك منذ البدء، لربّينا أبناءنا على الفضول لا على الخوف، على السؤال لا على الإجابة الجاهزة، على أن التجربة أهم من النتيجة.

أرخي فكرك، ودع الأفكار تجري بك كما تشاء، لا تقيّدها ولا تُحاكمها. الأفكار ليست عدوّك، إنها مرايا صغيرة تعكس ما فيك. بعضها يذكّرك بما فقدت، وبعضها يهمس بما لم تعشه بعد. تأمّلها بلطف، كأنك تشاهد طيورًا تهاجر، بعضها سيعود، وبعضها سيغيب إلى الأبد، لكن السماء التي تحملها واحدة.

تعلّم أن تسامح نفسك أكثر. لأنك ستكتشف يومًا أن أقسى ما فينا ليس ما فعله الآخرون بنا، بل ما نفعل نحن بأنفسنا من جلدٍ وتوبيخٍ وصمتٍ داخلي. كل مرةٍ تغفر فيها لنفسك، تنقذ روحك من عبءٍ قديم، وتفتح فيها بابًا نحو نورٍ جديد.

وإن سألتَ نفسك: كيف أفهم مغزى الحياة؟ فأقول لك: لا تحاول أن تفهمها بعقلك فقط. عشها. اخطئ، افشل، أحب، ابتعد، عد، ابكِ، اضحك، جرّب. الحياة لا تكشف سرّها إلا لمن يعيشها بصدق. كل تجربةٍ فيها، مهما بدت مؤلمة أو ناقصة، هي حرفٌ من نصٍّ أكبر يُكتب بك وبك وحدك.

ومهما مرّ بك من خيباتٍ أو ظلال، لا تفقد الأمل. فالأمل ليس فكرة، إنه عادة الروح التي تعود للنور بعد كل عتمة. إنه تلك القدرة العجيبة على النهوض بعد الانكسار، على النظر إلى الأمام حتى حين يكون الطريق غائمًا. تذكّر أن كل ما كرهته في نفسك يومًا، سيصبح يومًا جزءًا من حكمتك. وأن ما تمنيته أن يُمحى، سيكون هو الدرس الذي نجاك من تكرار الخطأ.

اسمح لنفسك بالهدوء، لا تتعجل النضج، لا تتسرع في الفهم. الحياة لا تطلب منك أن تكون مثاليًا، بل أن تكون صادقًا. كن رفيقًا بنفسك كما لو كنتَ تضرب بخف على كتف صديقٍ أنهكه الطريق. قُل لها: “أنا أراك. رغم كل شيء، ما زلتُ أحبك.”

حينها فقط، ستفهم أن السلام لا يأتي من خلوّ الحياة من الألم، بل من التصالح معه. وأن الجمال ليس في الكمال، بل في قدرتك على رؤية النور في كل ما انكسر فيك.

ولا تنسَ... أن الطفل الذي كنته يومًا ما زال يسكنك، ينتظر منك أن تنظر إليه بعين الحب لا الخجل، أن تَعده بأنك لن تترك أحلامه تموت. امنحه ذلك الوعد، وواصل السير، بخطى أهدأ، بقلبٍ أوسع، وبيقينٍ بأنك ما دمتَ تتعلّم، فأنت بخير.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")