طفلٌ لم يعد في داخلي كما كان

 في مساءٍ لا أعرف من أين جاء، وجدت نفسي أحاول أن أجيب—هكذا ببساطة—عن أسئلة تركها مدير المدرسة، ومعلم الصف الثاني، وكلّ الذين مرّوا بالقرب مني في تلك السنوات التي صارت الآن ضبابًا خفيفًا. كأنني دخلت غرفة قديمة لم تُفتح منذ زمن، وما إن حاولتُ أن أتحدث بصوت الطفل الذي كنتُه، حتى اكتشفتُ أنه لم يعد بإمكاني استدعاؤه. لقد ذهب. صوته تلاشى. وحتى دهشته الأولى لم تعد تملك تلك اللمعة التي كانت تُربكني وتحميني في الوقت نفسه. سنة بعد سنة، أدركتُ أن الزمن لا يعيد أحدًا كما كان، وأنني مهما حاولت فلن أستطيع أن أرجع إلى ذلك الصوت الصغير الذي كان يخجل من كل شيء إلا من أحلامه.

وفي الحبّ… آه، الحب. كلما حاولتُ أن أفهم ما حدث لي في تلك التجربة القديمة، أشعر كأنني أغوص في حفرة لا أعرف إن كانت ستوصلني إلى نور، أم ستزيدني عتمة. أحببتُ من قلبي، من مكان عميق جدًا، مكان لم أكن أعرف أنه قادر على هذا القدر من الانفتاح والخوف في اللحظة نفسها. واليوم، حين أحاول الكتابة عنه، أشعر كأنني أعيد ترتيب قلبي حجرًا حجرًا، وأتساءل: هل كنت أبحث عن الحب حقًا، أم كنت أبحث عن جزءٍ ضائع مني؟ لا أعلم. كل ما أعلمه أنّ كل محاولة للكتابة تجعلني أقترب أكثر من نفسي، حتى لو تكرّرت الجملة، وتعثرت الفكرة، وتداخلت الأصوات في داخلي. إنها عملية غريبة: أن أفتّش في طبقات روحي، وأذهب إلى أبعد نقطة فيها، ولو كلفني الأمر أن أكرر نفسي ألف مرة.

ومع ذلك، ثمة جمال في كل هذا. جمال يشبه السير في ممرّ مظلم وأنا لا أخاف. بالعكس، كأنني أتمسّك بالمشي فيه. أحب هذه العتمة التي أعرفها، أحب أن أسمح للكلمات بأن تقودني كما تشاء، أحب حتى تلك اللحظات التي أحس فيها أن الكتابة تُنهكني، تُربكني، وتهزُّ شيئًا حساسًا في رأسي. لكن… ماذا أفعل؟ أكتب. أكتب لأنني لا أعرف طريقًا آخر للنجاة. أكتب حتى لو شعرت أن صحتي تهتز قليلًا، وأن عقلي لا يعود صافياً كما كان. هناك شيء يجعلني أستمر، شيء يقول لي: “أكمل… ولو وصلت إلى حافة التعب.”

وأحيانا—ولا أدري إن كان يحق لي قول هذا—أشعر بأنني كاتب عظيم. ليس لأنني أكتب نصًا مُحكمًا أو جملة متقنة، بل لأنني أمتلك الجرأة على النظر في داخلي، على مواجهة ظلالي، على لمس تلك الأماكن التي يهرب منها الكثير. العظمة ليست في الجملة الجميلة، بل في محاولة صناعة جملة تستطيع أن تحتملنا، أن تحمل وجعنا وفرحنا وخوفنا من أنفسنا.

أكتب اليوم كأنني أحاول أن أستعيد كل الأشكال التي مررت بها: الطفل، الشاب، الحائر، العاشق، الشخص الذي ظن يومًا أنه يفهم كل شيء، ثم اكتشف أنه لا يفهم نفسه أصلًا. وربما لن أصل إلى جواب نهائي، وربما ستبقى الأسئلة مفتوحة مثل باب لا يُغلق، لكن يكفيني أنني أمشي… أمشي نحو شيءٍ يشبهني أكثر.

أكتب لأراقبني من بعيد، وأكتب لأقترب، وأكتب كي لا يضيع صوتي وسط هذه الحياة التي تأكل ملامحنا بلا رحمة. وربما في النهاية، حين أضع آخر نقطة، سأفهم أن كل هذا لم يكن بحثًا عن معنى واحد، بل عن القدرة على أن أقول لنفسي: “أنا هنا… وما زلت أحاول.”

ك.ج 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")