آخر ما نشر كارل!

أحاول أن أكون أنا و أفكر في كل شيء....

  أحاول أن أقرأ بشكل واضح ما يحدث لي وما يحدث للجميع، كأن الحياة رسالة طويلة وصلت إلينا من دون بدايتها، وكأن كل واحد منّا يمسك سطرًا منها ويظن أنه فهم الحكاية. أحاول أن أقرأ شروق الشمس، أن أفهم لماذا يبدأ النهار بهذا الضوء الخفيف، ولماذا يستطيع الصباح أن يعود بكل هذه البساطة، بينما أحتاج أنا إلى كل هذه المحاولات كي أبدأ يومًا واحدًا من داخلي. أفتح النافذة، يدخل الهواء، تتحرّك ستارة، ويواصل العالم حياته. شيء ما يحدث بسهولة خارجي، وأنا أحاول أن أتعلّمه. كيف تعبر الريح الغرفة من دون أن تسأل إن كانت مرغوبًا فيها؟ كيف تذهب المياه إلى حيث تذهب، وتحمل معها كل ذلك اللمعان؟ ولماذا أشعر أحيانًا أن عليّ أن أشرح وجودي قبل أن أضع قدمي على الأرض؟ أحاول أن أفهم لماذا تخبرني أمّي أنني قلبها وكبدها وأصل وجودها. أسمعها وأبتسم، وأحيانًا أغيّر الموضوع لأن الحنان حين يكون بهذا الحجم يربكني. كيف يستطيع إنسان أن يضع حياته في اسم إنسان آخر؟ كيف تحملني في كلامها وأنا الذي لا أعرف، في بعض الأيام، كيف أحمل نفسي؟ أفكّر في قلبها حين أقلق، في خوفها الذي يسبقني إلى الطرقات، في صوتها وهي تسألني إن كنت قد أكلت. أج...

من تطوان إلى أزرو: مسافة المعنى

أزرو
أزرو، التقط الصورة كارل جبران
صباحُ أحدٍ جميل، ناعم الضوء، تُغنّي فيه العصافير كما لو أنّها تفتتح نهارًا جديدًا للعالم. الهواء باردٌ قليلًا، يحمل بقايا الندى فوق النوافذ والطرق الضيّقة. أحتسي قهوتي ببطء، وأتأمّل ما مرّ من أيامٍ مختلفةٍ عشتُها في الأسابيع الأخيرة، كأنها فصول قصيرة من كتابٍ واحد، يبدأ من تطوان وينتهي بي اليوم في طنجة.

قبل أسابيع قليلة فقط، كنت في تطوان، مدينة بيضاء عند خاصرة الشمال، تُشبه أنثى تتزيّن بالماء والضوء. كانت بداية الأسبوع الأول من عطلتي آنذاك، ومع كل صباحٍ فيها كنتُ أكتشف شيئًا جديدًا: لونًا على جدارٍ قديم، ابتسامة في وجه بائعٍ عجوز، أو موسيقى بعيدة تنساب فيها أفكاري وأتذكر متاعب الجنوب الشرقي.

كنت أمشي بلا هدف محدد، أترك قدميّ تختاران الطريق بين الأزقة الضيقة. هناك، في ظلّ الجدران الزرقاء، كانت الحياة تنبض بإيقاعٍ بطيءٍ ومحبّب، لا شيء فيه يُشبه المدن الصاخبة، أقربها طنجة، أبعدها الدار البيضاء.

زرتُ المتحف، تنفّست عبق التاريخ، تجوّلت في الحدائق، جلستُ تحت شجرةٍ في الحيّ الإسباني أراقب وجوه الناس... كان في الهواء شيء من الهدوء القديم، كأن المدينة تتنفس من زمنٍ آخر.

لكن رغم الجمال، كنت أشعر أن شيئًا ما ناقص. كنت أنزل في فندقٍ بثلاثة نجوم، أنيق ومريح، لكنني كنت أرى الطبيعة من وراء الزجاج، كأن بيني وبينها جدار غير مرئي. الجمال هناك، وأنا هنا، مجرّد عابرٍ يطلّ على المشهد من بعيد.

في الأسبوع الثاني، قررت أن أبتعد أكثر. أن أبحث عن الصمت الحقيقي، عن مكانٍ لا تلوثه الأصوات ولا تُسرّع إيقاعه المدن. وقع اختياري على أزرو، مدينة صغيرة في قلب الأطلس، تغفو بين الغابات وتستيقظ على نغمة العصافير.

بدأتُ أبحث عن كوخٍ صغير، بسيطٍ لكنه مريح: فيه كهرباء، ماء، إنترنت، مطبخ، وسريرٌ يطلّ على الغيم. عندما وجدت المكان، شعرت كأنني عثرت على مقطعٍ ضائع من حياتي.

اشتريت التذاكر، وانطلقت من تطوان لطنجة نحو الرباط بالقطار. كنت أرى المدن تمرّ من خلف النافذة كأنها مشاهد في فيلم قديم: أصوات، أبراج، ضوء، وغربة لطيفة. من الرباط، ركبت الحافلة إلى أزرو، وكلما ابتعدنا عن الساحل ودخلنا أكثر في عمق الجبال، كانت الطبيعة تتبدّل: الهواء أنقى، الأفق أوسع، والوقت أبطأ.

حين وصلت، اتجهت مباشرة إلى السوق، اشتريت خبزًا طازجًا، قهوة، بعض الخضار و الفواكه، و مشروبات مختلفة دون أن أنسى أزير الذي لا يفارقني، إكليل جبال مدرار و آيت بكر بإقليم فجيج. على أي، بعدما حصلت على كل ما أحتاج اتصلت بالسائق الذي سيأخذني إلى الكوخ...

 الطريق كانت تتلوّى بين الجبال كأنها شريط من الحلم، والأشجار تتمايل ببطء تحت أنفاس الريح. عندما وصلنا، كانت الشمس تميل نحو الغروب، والكوخ الصغير ينتظرني بهدوءٍ على قمة الهضبة.

هناك فقط، أدركت كم كنت أحتاج هذا البُعد. الجبال تحيط بي كذراعين كبيرتين، والهواء باردٌ ونقيّ. في الليل، كان الصمت كثيفًا كالبحر، لا يقطعه إلا صوت الريح أو نباح كلبٍ بعيد. جلست أمام النار أحتسي الشاي وأتأمل السماء المليئة بالنجوم، وأفكر في كل المدن التي مررتُ بها ولم أرها حقًا، لأنني كنت أركض بدل أن أعيش.

مرّت الأيام بهدوءٍ جميل، بين الطبخ البسيط والقراءة والمشي الطويل و ممارسة فن التصوير. كنت أشعر أنني أستعيد نفسي من جديد، وأتعلم الإصغاء لما حولي: صوت الماء، صرير الأبواب الخشبية، حفيف الأوراق. هناك، عرفت أن العزلة ليست وحدة، بل مساحة للامتلاء.

لكن كما كل الرحلات، كان عليّ أن أعود. وأتذكر و أنا أهبط من الجبال متجهًا نحو طنجة، حاملا حقيبتي الصغيرة وأفكاري الكبيرة، شعرت كأنني أفرغ الماء في الرمل، فما الجدوى من العودة إلى مدينة مكتظة، متعبة، تزدحم فيها الرغبات وتضيع الملامح. أضواء، ضجيج، وجوه كثيرة بلا أسماء؟ ومع ذلك، في داخلي قرار لم أنطقه بعد: أن أعود إلى أزرو، لا سائحًا هذه المرة، بل ساكنًا. أريد أن أعيش حيث يمكن للسماء أن تُرى كاملة، وللصمت أن يُصبح صديقًا، وللأيام أن تمشي على مهلها.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى