في وجهي وجوه أخرى
ما هذا الإنسان الذي أراه في كل مرة بشكل مختلف؟ كأنه يتغير في صمت، يكبر أو يشيخ دون أن ينبهني، دون أن يرسل لي إشارة صغيرة تقول: “أنا هنا، وأنا آخر نسخة منك.” لولا مرايا الحمام، أو المرايا المنتشرة في واجهات المحلات وفي أبواب المدينة التي أمشي فيها كل يوم، لما أدركت أنني أواجه نفسي، أو بالأحرى نسخاً متعاقبة مني، كل نسخة تحمل رواية لم تُكتب بعد، وكل وجه يحمل توقيع الزمن.
أحياناً أكتشف في وجهي شيئاً يشبه أبي، وعند لحظات أخرى أرى صدى أجدادي في ملامحي، كأن روح الماضي تتسلل إليّ، تهمس في أذني بأصوات لم أسمعها من قبل، لتخبرني أني لم أخلق في فراغ، وأنني وريث حكايات لم أختبرها مباشرة، لكن تأثيرها يتسلل في الدم، في العظام، في كل حركة صغيرة، كما لو أن الجينات نفسها تمارس لعبة سرية معي. أهي حرب الجينات؟ أم هي مجازفة الزمن مع الروح؟ لا أعرف.
أكتب، وأنا أكتب لألا أخذل الوعد الذي قطعته على نفسي منذ صغري، الوعد بأن لا أتوقف أبداً عن الكتابة، حتى حين يلتبس العالم ويضيع الطريق، حتى حين يختلط العجز بالحنين، وحتى حين تصبح الحياة مجرد سلسلة من اللحظات العابرة التي لا تحتمل وزن أي معنى واضح. أعود إلى ذكريات الإعدادي والثانوي والجامعي، إلى الأيام الأولى في العمل، إلى كل الفترات التي شكلتني، وكأنني أبحث عن خيط يصل بين عشرين سنة من الفوضى الوجودية التي لم أجد لها تسميتها سوى أنها مجرد فراغ، فراغ محمّل بالصخب والضوء والظل.
حاولت جاهداً أن أتبع حسدي، أن أراقب الآخرين لأفهم من أنا، أو لأركب موج الحياة الخاصة بي، لكنني لم أجد معنىً لي إلا في الفن. الفن الذي جعل روحي تحلق فوق غيوم العادي، الذي أعاد لي الإحساس بأن كل شيء ممكن. ومع ذلك، رغم كل الإمكانيات التي شعرت بها حينها، ظل الفراغ يرافقني، صامتاً لكنه حاضر، مثل ظل طويل لا يبتعد عني مهما مشيت.
تنقلت بين مدن المغرب، من وجدة إلى الرباط، الدار البيضاء، فاس، طنجة، ثم رحلاتي في أوروبا، وكل سفر كان تجربة للروح والجسد معاً. لكن أين سأستقر؟ هل سأبني عائلة؟ هل سأجد معنى لكل هذه التجارب؟ هذا السؤال يظل يلاحقني، يطرق أبواب كل لحظة هدوء، ويجعلني أعيد ترتيب نفسي بين حلم ويقظة، بين رغبة وواقع.
أعيش بين أوقات من العمل الجاد، والإبداع، وحل المشكلات بطرق ذكية، وبين أوقات أضيعها في نوم طويل، جلسات بالجعة، الحشيش، والموسيقى، ومحاولات فهم نفسي. كأنني شخصان في شخص واحد، كأنني أحاول الموازنة بين عقل يريد البناء وروح تبحث عن الحرية، بين الماضي الذي يضغط عليّ والحاضر الذي يفرض نفسه.
أرى نفسي نتاج عشرين سنة من الاختلاف، الرقي، والتجارب التي صقلتني، وأيضاً نتاج عشر سنوات من الأخطاء، أحياناً بسبب تيارات خارجية، أحياناً بسبب حيرة داخلية، أحياناً مجرد محاولات فاشلة لإيجاد الانتماء. وفي لحظات كتابة، أشعر أني بدأت أكشف الركام النفسي داخلي، أني أبدأ بفهم نفسي، لكنني أعلم أن النجاح سيكون مؤقتاً، وأن الفشل سيتكرر مرات عدة.
لكنني مستمر، أقاتل
لأبقى على وعد الكتابة، أقاتل حتى مع نفسي التي بدأت تشيخ، أكتب كي أحتفظ بوجودي،
كي أستعيد كل ما رمي بي الزمن، كي أحول التجارب إلى كلمات، الكلمات إلى صدى،
والصدى إلى حياة. حتى لو كان العالم حولي مشوشاً، وحتى لو كان الفراغ يلوح في كل
زاوية، الكتابة تبقى ملاذي، المكان الذي أستطيع فيه أن أكون كل ما أنا عليه، وكل
ما لم أكن عليه.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق