آخر ما نشر كارل!

أنا أيضا من العابرين

  بجانبي الكثير من المرايا، وحينما أحاول أن أتجاهلها لا أرى إلا انعكاسًا لظلّي. أشيح بوجهي عنها، فأجدني في زجاج النافذة، وفي ماء البحر، وفي عيون الذين مرّوا بي، وفي الأشياء التي ظننت أنني تركتها خلفي. أحاول أن أنسى أنني انعكاسٌ لكل شيء، لكل مدينة عبرتُها، لكل باب أغلقته، لكل يدٍ صافحتها ثم غابت، لكل طريق قلت عنه: لن أعود. وأعود. أخاف أن أتقبّل الأمر، أن أتقبّل أن شيئًا مني ليس لي وحدي، وأن وجهي يحمل وجوهًا كثيرة، وأن صوتي ربما ما زال يحتفظ بأصوات الذين أحببتهم، وأنني، في النهاية، مجرد سطور كتبتها مياه البحر ثم تركتها على الرمل ومضت. ولا أعرف إن كان البحر قد كتبني أم محاني. بجانبي الكثير من الذكريات، وحينما أحاول أن أنساها تأتي الأسماء. أسماء كثيرة تواجهني، تناديني كما لو أنني ما زلت هناك، كما لو أن السنوات لم تمرّ. أسماءٌ كنت أقولها كل يوم، وأسماءٌ لم أعد أجرؤ على قولها، وأسماءٌ نسيت أصوات أصحابها لكنني لم أنسَ كيف كنت أشعر حين ينادونني باسمي. ثم تأتي الأماكن. أماكن كثيرة، بصخبها، بأبوابها، بشوارعها الطويلة، تستفزني. مدينةٌ تركتُ فيها نافذة، مدينةٌ تركتُ فيها صديقًا، مدينةٌ تركتُ ف...

أعيش لأنني لم أتعلم الكذب

 أعرف أنني كان من المفترض أن أكون شخصًا عاديًا.

أن أعيش مثل بقية الناس: أستيقظ للعمل، أعود مرهقًا، أصلي صلواتي في وقتها، أقرأ وردًا من القرآن كعادة لا كوعي، أقبل رأس أمي وأطمئنها أنني بخير، وأنني مؤمن، مطيع، رجلٌ لا يخرج عن الصف.

كان عليّ أن أبتسم لجيراني، أن أزور أقاربي، أن أظهر الاحترام حتى لو لم أشعر به. أن أجلس مع أصدقائي وأمثل دور الشاب المرح الذي يهتم بكل تفاصيل حياتهم التافهة: من تزوج ومن انفصل، من اشترى سيارة، ومن فشل في مشروعه.

كان عليّ أن أتقن الكذب.

الكذب الأبيض والرمادي والأسود.

كان عليّ أن أقول للفتاة التي أختارها: أحبك، سأمنحك حياة سعيدة. ثم أجرها إلى بيتٍ ضيق وأسجنها داخله كأنها متاع من أمتعتي. أتعامل معها كشيء مضاف إلى قائمة أملاكي: مثل الهاتف، مثل حذائي، مثل مقص أظافري. وكان عليّ أن أبرر عنفي وغضبي وقسوتي بأنها "رجولة".

كان عليّ أن أكون مشاهدًا مطيعًا. أن أجلس أمام شاشة التلفاز أو هاتف صغير وأتلقى الأخبار كما يريدون أن تصلني. أن أضحك مع الآخرين من النكات الباهتة، أن أشاركهم السخرية من المفكرين والفلاسفة، أن أردد جملًا محفوظة عن "الحرية التي تفسد الناس" وعن "الإيمان الذي لا يناقش".

لكنني لم أفعل.

لم أستطع أن أقتل نفسي لأعيش حياة سهلة. لم أستطع أن أُسكِت عقلي وأسئلتي. لم أستطع أن أُحني ظهري لأكسب راحة زائفة.

أعرف أنني بدوت غريبًا بينهم.

في المقاهي، حيث يتجادلون عن الكرة، أشعر أنني غريب.

في الجلسات العائلية، حيث يتفاخرون بمن اشترى بيتًا جديدًا أو أنجب طفلًا، أشعر أنني لا أنتمي.

في الشارع، حيث تسير الحياة كما لو كانت آلة ضخمة تطحن كل شيء، أشعر أنني واقف على الهامش.

لكن، ما المشكلة في أن أكون غريبًا؟

المشكلة الحقيقية أن أعيش حياتي كلها منسجمًا مع ما أرفضه. أن أضحك وأنا حزين. أن أصدق وأنا أعلم أنني أكذب. أن أدفن نفسي حيًا فقط لأرضي الآخرين.

لهذا أكتب.

أكتب في الليل الطويل.

أكتب نصوصًا قد لا يقرأها أحد غيري، لكني أكتبها لأتأكد أنني لم أختنق. لأتأكد أنني لم أتحول إلى ظل آخر بلا روح.

الكتابة ليست ترفًا، إنها مقاومة. إنها الطريقة الوحيدة لأقول للعالم: أنا هنا، مختلف، يقظ، حتى لو لم يصدقني أحد.

أعرف أن الطريق الذي اخترته ليس سهلًا.

أن أكون صادقًا يعني أن أعيش بقلق دائم.

أن أكون حرًا يعني أن أخسر كثيرًا مما يملكه الآخرون: راحتهم، استقرارهم، نومهم الهانئ.

لكنني أفضل أن أدفع هذا الثمن على أن أعيش مثلهم، مستعبدًا، متناقضًا، متبلدًا.

قد أموت في الثلاثين.

قد أموت فقيرًا، مجهولًا، مهمشًا.

لكن سأموت حرًا.

سأموت وقد واجهت نفسي، وقد رفضت أن أبيع حقيقتي مقابل راحة مزيفة.

سأموت وقد تركت أثرًا صغيرًا: كلمات مكتوبة، أفكارًا عارية، صرخة في وجه هذا العالم الذي يريد منا جميعًا أن نكون متشابهين.

أنا لا أريد أن أعيش سبعين عامًا على طريقة جيل كامل ورثنا عجزه وصمته وخوفه.

لا أريد أن أكون نسخة جديدة من الماضي.

أريد أن أكون نفسي، ولو دفعت الثمن غاليًا.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")