مذكرات الهروب من الذات
أريد أن أقبض على أفكاري جميعاً، فكرةً فكرة، كما تُلتقط الفراشات من هواء الحقول، لكن ليس لأزين بها جداراً، بل لأحشرها في صندوق حديدي وألقي به في بئر سحيق، بئر لا قاع لها، حتى إذا حاولت الأفكار الصعود، أضاعتها العتمة.
أريد أن أنظف رأسي كما
تُغسل النوافذ الملطخة بغبار سنين، لكن لا لأجعل الرؤية أوضح، بل لأترك الزجاج
معتماً، حتى لا يدخل الضوء، وحتى لا أرى شيئاً خلفه.
لا أريد أن أكون حقيقياً، لأن الحقيقة دائماً تحمل وزناً، والوزن يسحبك إلى الأسفل. أريد أن أكون وهماً خفيفاً، ظلّاً لا يتذكره أحد بعد مرور دقيقة، لا فيلسوفاً يربك الناس بأسئلته، ولا فناناً يضع المرآة أمام وجوههم.
من عمق هذا الحزن، من
جذر تلك الشجرة السوداء التي نمت في داخلي، أطلب أن أكون مجرد وجه يمر بين الوجوه،
ملامحه مألوفة بشكل مريح، كأنك رأيته من قبل في محطة قطار أو بين طوابير الخبز،
لكنه في الحقيقة غريب تماماً عنك.
لا أريد أن أكون نقطة لامعة في تاريخي الشخصي، ولا طفرة فكرية تجعلني أبدو وكأنني خرجت من السياق. أريد أن أذوب في السياق حتى أختفي.
أنا مرهق، أيها
الفراغ، أكثر مما أستطيع قوله. أنت لا تسألني، ولا تحاسبني، ولا تعاتبني، ولهذا
أنت أرحم من كل شيء آخر.
إنها الخامسة صباحاً،
والليل طويل كأن السماء انكمشت حولي، والقلم في يدي كعصا يتوكأ عليها عجوز تائه.
كتبت حتى صارت الكلمات قشوراً يابسة، تتساقط من عقلي إلى الورق، بلا طعم ولا حياة.
وماذا بعد؟ سيأتي الغد كما يأتي كل مرة، لا يحمل جديداً إلا أنه نسخة أخرى من الأمس، يكرر الملل والابتسامات المعلبة، والحوارات التي تُقال فقط لتملأ الفراغ بين لحظتين صمت.
غداً سأستيقظ، وأرتدي
وجهي كما يرتدي الجندي درعه، وأخرج إلى الشارع حيث الوجوه لا ترى إلا ما تريد أن
تراه. سأبتسم حتى وإن كانت روحي تنكمش، سأوزع السلامات والتحيات كما توزع
المنشورات في ساحة عامة، بلا نية، بلا شعور، بلا معنى.
ربما سأجلس في مقهى يملؤه ضجيج الأكواب، وأراقب الناس وهم يتحدثون عن كل شيء إلا الأشياء التي تؤلمهم حقاً. سأشرب قهوتي ببطء، لأن البطء يوهمك أن الوقت تحت سيطرتك، بينما الحقيقة أن الوقت يستهلكك بلا رحمة.
في لحظة ما، ربما على الرصيف أو عند إشارة المرور، سأتذكر أنني كنت، يوماً ما، شخصاً يكتب لأنه لا يستطيع التوقف، يطرح الأسئلة لأنه لا يحتمل الجهل، يضع الفن كنافذة يرى منها العالم. وسأبتسم ابتسامة قصيرة، ثم أدفن ذلك التذكر في أعمق جيب عندي.
وحين يعود الليل، سأجد نفسي أمام نفس الطاولة، ونفس الورقة البيضاء، وأفكر، لا، لن أفكر. سأحاول فقط أن أكتب شيئاً لا يخصني، شيئاً بلا أثر من روحي، مجرد كلمات ملساء لا تتعلق بشيء. لكن حتى الكلمات، حتى وهي فارغة، تعرف طريقي، وتعود إليّ كطيور جائعة.
ربما هذا هو قدري: أن أهرب من أفكاري، لكنها تعرف دائماً أين أختبئ. أن أرفض وجهي، لكنه يطل عليّ من كل مرآة. أن أطلب الفراغ، لكنه يملؤني أكثر من أي شيء آخر.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق