تشي غيفارا، نورة والله
أحب أن أنسى كل شيء،
وأن أجري مع رياح الحياة
كأنني ضوء من أضواء الصباح،
أدخل من نافذة مفتوحة،
وأقع على وجه إنسان متعب،
فيبتسم
دون أن يسألني من أين جئت،
ودون أن يسألني
لماذا تأخرت كل هذا الوقت.
أحب أن أكون خفيفًا،
أن أترك اسمي على طرف السرير،
وأن أخرج بلا ماضٍ،
بلا تلك الوجوه التي تسكن ذاكرتي،
وبلا حاجة إلى تفسير حزني
كلما سألني أحد:
كيف حالك؟
لكنني شاب يحب العدل والصدق،
ولا يحب الاستسلام.
كلما قلت: سأمضي،
رأيت شيئًا في الطريق
لا أستطيع أن أتركه:
رجلًا أكل التعب صوته،
يدًا ممدودة لا يراها أحد،
أو إنسانًا يحاول أن يقول الحقيقة
ويخاف.
فأعود إلى ثقلي،
وأحمله،
وأقول:
ربما أمشي به قليلًا،
ربما أجد من يحمل معي
طرف هذا العالم.
أحيانًا كثيرة
أتفكر في تفاصيل حياتي،
في تجاربي،
في الأشياء التي فعلتها بحب
ولم يفهمها أحد،
وفي الأشياء التي لم أفعلها
وبقيت أعتذر عنها لنفسي.
وأتذكر كم حاولت
أن أكون مثل تشي غيفارا
كما تخيلته في وحدتي:
رجلًا يرى وجوه الناس
حتى في أشد لحظاته ظلمة،
ويؤلمه
أن تكون الأرض واسعة هكذا،
ويضيق فيها مكان الفقراء.
أفكر في لحظته الأخيرة،
وفي الحياة التي كان يريدها للناس،
وأسأل نفسي:
هل عرفتُ كيف أعطي؟
هل كنت صادقًا كما أحب؟
وهل عرفت كيف أبقى
حين صار البقاء صعبًا؟
كنت أريد أن أمنح شيئًا،
ولو قليلًا،
أن يمر أحدهم بحياتي
فيجد مكانًا يجلس فيه،
وكأس ماء،
وكلمة لا تخدعه،
ثم يكمل طريقه
أقل وحشة.
وأفكر في الله،
في غيبه وقوته،
وفي هذا القلب الذي لا يعرف
كيف يخفي شيئًا عنه،
ومع ذلك
يبحث طويلًا عن الكلام.
أقول:
يا الله،
ربما أنا ترجمة لشيء
لا أفهم لغته بعد،
ربما لهذا العطاء الذي أتخيله
كلما نظرت إلى شجرة
تترك ثمرها في متناول العابرين.
وأقول في حيرتي:
ربما أنا ترجمة لتضحيتك،
ثم أتوقف عند الكلمة،
لا أعرف كيف أقول ما أشعر به،
ولا كيف أسألك
عن الألم الذي يمر بنا
حتى يصير لكل واحد منا قصة.
هل كان يمكن أن تكون قصتي
أقل وجعًا؟
أن أعرف الحب
دون أن أحفظ كل هذه التفاصيل
عن غيابه؟
وأفكر في نورة،
لأنها حبيبتي،
ولأن هذه الكلمة
ما زالت تخرج مني بصيغة الحاضر،
مهما فعل الزمن.
نورة التي سرقها مني الوقت،
وسرقها مني الواقع،
وبقي اسمها في فمي
ككلام كنت سأقوله
ثم أُغلق الباب.
لا أعرف أين أضع
كل هذا الحديث الذي كان لها،
الأشياء الصغيرة التي تحدث لي،
ضحكتي حين أتذكر شيئًا،
وتعبي في آخر النهار.
كنت أظن أن الحب
أن تجد شخصًا
تقول له: انظر،
فيقترب،
ويرى معك الشيء البسيط
الذي لم ينتبه إليه أحد.
والآن أرى أشياء كثيرة وحدي،
ثم أمضي.
يا نورة،
منذ غبتِ
وأنا أكبر بطريقة لا تظهر في المرآة.
أخرج بوجه شاب،
وأعود كعجوز
أضاع عنوان بيته،
ويخجل أن يسأل المارة
عن مكان لم يعد موجودًا.
أعيش كمتشرد،
أحمل ما بقي منكِ في داخلي،
وأبحث عن يوم
لا أحتاج فيه إلى كل هذا الصبر.
بلا حلم أحيانًا،
بلا حب يصل إليّ،
وبلا شغف يكفي
لأفتح النافذة في الصباح.
ومع ذلك أفتحها،
وأقف قليلًا،
لا يحدث شيء عظيم:
يمر الناس،
تتحرك ستارة في البيت المقابل،
ويصل الضوء إلى يدي.
فأتذكر أنني أردت يومًا
أن أجري مع رياح الحياة،
وأن أكون ضوءًا
من أضواء الصباح.
لا أعرف كيف أعود إلى ذلك الشاب،
ولا كيف أحمل هذا العجوز معي،
لكنني ما زلت أحب العدل،
وما زلت أتألم حين يكذب الناس،
وما زلت، يا نورة،
حين أتخيل الفرح،
أبحث عنكِ فيه.
أفكر في تشي غيفارا،
وفي الله،
وفيكِ،
ثم أجلس مع حياتي
كما يجلس المرء إلى صديق متعب،
لا يملك له جوابًا،
ولا يريد أن يتركه وحده.
وأقول لها:
أنا متعب أيضًا،
وأحب أن أنسى كل شيء،
لكن تعالي،
لنمشِ قليلًا،
ما زال في الطريق صباح
لم نره.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق