آخر ما نشر كارل!

الليل يعرف أنني متعب...

أخرج
ولا أعرف ماذا يفعل الناس بأيديهم حين يتمشّون
أضع يديّ في جيبيّ
وأمشي
كأنني نسيت شيئاً في مكان بعيد
ولا أتذكر الشيء
ولا المكان.

كنت في المنزل أشرب الجعة
أنظر إلى الكأس، ثم إلى الوقت
وأقول: سأخرج بعد قليل
حتى صار البقاء أصعب من ارتداء حذائي
فخرجت
وتركت الضوء مشتعلاً
لا أعرف لماذا.

الناس تتمشّى
أحدهم يضحك في هاتفه
وامرأة تنادي شخصاً سبقها بخطوات
يلتفت إليها وينتظر
وأنا أعبر بجانبهما
أحاول ألّا أطيل النظر
إلى أحد ينتظر أحداً.

لا أدري إلى أين أذهب
أرمي قدماً أمام الأخرى
والليل يعرف أنني متعب
لا يطلب مني أن أشرح
وهذا يكفيني الآن
لقد تعبت حتى من ترتيب أوجاعي
كي يفهمها شخص آخر.

كنت صغيراً حين قالوا إنني أكبر من عمري
صدّقتهم
وخجلت أحياناً من البكاء كما يبكي الأطفال
كنت أريد أن أبقى ذلك الطفل الذي يفهم
حتى حين لم أفهم
لماذا ترتفع اليد في وجهي
ولماذا عليّ أنا أن أتعلّم التسامح.

قالوا إنني سأصبح شيئاً كبيراً
وكنت أسمعهم
وأتخيّل بيتاً لا أخاف فيه
لم أكن أعرف ماذا يفعل النابغون حين يكبرون
كنت أعرف فقط
أنني أريد أن أنام مطمئناً.

والآن كبرت
ولي مفتاح وباب وفواتير
وأستطيع أن أخرج متى شئت
لكنني أقف أحياناً وسط غرفتي
ولا أعرف ماذا أفعل بكل هذه الحرية
ولا كيف أخبر الطفل الذي كنته
أننا ما زلنا نخاف.

أجل
أشعر أن الحياة كانت غدّارة
ربما لأنني وثقت بها أكثر مما ينبغي
ربما لأنني حسبت أن ما تحمّلته يكفي
وأن الأيام ستنتبه يوماً
وتقول: لقد تعب هذا الإنسان
اتركوا له شيئاً يحبّه.

لكن الأيام مرّت
وأنا أيضاً مررت
من عمل إلى عمل
ومن وجه إلى وجه
أقول إنني بخير
ثم أعود إلى المنزل
ويضيق صدري بسؤال بسيط:
ماذا سآكل هذه الليلة؟

أمشي
وأفكّر في الحب
كم أردت أن أجلس قرب إنسان
دون أن أبحث عن كلام يدهشه
أن أحكي له عن يوم عادي
لم أكتب فيه شيئاً
ولم أنجح في شيء
ويظل راغباً في سماعي.

هل طلبت كثيراً؟
لا أدري
ربما طلبت من أشخاص متعبين
أن يحملوا تعبي أيضاً
وربما بقيت أطول مما ينبغي
أشرح لهم موضع الألم
وأحسب أن الشرح سيجعلهم أحنّ.

يقولون إن عليّ أن أتحدّث عن نفسي
أن أخبر الناس بما أبدع
وبما أملك
أن أريهم أنني مميّز
وأنا لا أنكر أنني أريد أن يروني
لكنني أتعب
كلما شعرت أن عليّ تقديم دليل
كي أستحق مكاناً بينهم.

أمرّ أمام زجاج محل مغلق
أرى رجلاً يمشي وحده
أرفع كتفيّ دون أن أشعر
ثم أتركهما تهبطان
حتى أمام صورتي
أحاول أن أبدو بخير.

الليل سينتهي
والشمس ستدخل غرفتي صباحاً
سيقع ضوؤها على الكأس الذي تركته
وعلى الملابس قرب السرير
وسيكون هناك يوم جديد
عليّ أن أجيب فيه عن الرسائل
وأن أتكلّم بصوت طبيعي.

لا أعرف إن كنت مستعداً
ولا أعرف لماذا يأتي الصباح
قبل أن ننتهي ممّا يحدث في الليل.

أفكّر في مواصلة المشي
ثم ألمس المفتاح في جيبي
أديره بين أصابعي
وأقف قليلاً عند أول الشارع
لم يحدث شيء
لم أجد جواباً
ولم أصبح أخفّ.

لكنني أشعر بالبرد الآن
وأريد أن أجلس
أن أشرب ماءً
وأن أخلع حذائي دون أن أقرّر
ماذا سأفعل ببقيّة حياتي.

ربما أعود إلى المنزل
وأستلقي كما أنا
وربما أبكي هذه المرّة
دون أن أعتذر إلى ذلك الطفل
عن الرجل الذي صرتُه.

لا أدري إن كنت سأعود إلى نفسي هذه الليلة
لكنني أعرف الطريق إلى الباب
سأمشي نحوه
وما لا أستطيع فهمه الآن
سيأتي معي.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى