آخر ما نشر كارل!

نصوص كتبتها كي لا أموت وحدي

 رياح طنجة في سبتمبر

كل شيء جميل، أو هكذا يبدو لي الآن على الأقل. النباتات الصغيرة أمامي تراقصها الريح كأنها تعرف موسيقى لا أسمعها أنا، ورائحة جميلة تنتشر من قميصي كلما تحرك الهواء، فيما تتداخل أصوات بعيدة مع موسيقى الأمازيغ الأحرار، أهل الجبال، أولئك الذين أشعر أحيانًا أن في أصواتهم شيئًا قديمًا جدًا، شيئًا أعرفه ولا أعرف من أين أعرفه.

أمسك القلم كأنني أمسك وسيلة صغيرة لمقاومة الوقت، كأنني أقول لهذه اللحظة: انتظري قليلًا، لا تمري بهذه السرعة، دعيني أحتفظ بك هنا على الورق، حتى إذا ساء كل شيء غدًا أعود إليك وأتأكد أنك حدثت فعلًا. أمامي قنينة الجعة المغربية الخضراء، سبيسيال جولد، ولفافة حشيش، والجو جميل في شقة بالطابق الثامن. رياح طنجة في سبتمبر تدخل من النافذة بلا استئذان، تحرك الستارة، تلمس وجهي، وتجعل المدينة تبدو من فوق أصغر مما هي عليه حين أكون وسط شوارعها.

من هنا يبدو كل شيء هادئًا، والغريب أنني لست هادئًا. هناك حرب نفسية عميقة بداخلي لا يراها أحد من هذه النوافذ. المدينة ساكنة وأنا ممتلئ بالأصوات. البحر بعيد وهادئ وأنا لا أعرف كيف أصل إلى هدوئه. متى أصبح هادئًا وغير مشتت؟ متى أستطيع أن أجلس دون أن أشعر أن هناك شيئًا نسيت فعله، أو شيئًا سيئًا سيحدث، أو نسخة أفضل مني كان يجب أن أكونها الآن؟ ومتى أفتح عيني لأرى الحقيقة، ولو لأول مرة، بلا خوف وبلا كل هذه التأويلات؟

بعض اللحظات تعيد نفسها في روتين غريب. نفس الأفكار، نفس الوجوه القديمة، نفس الندم، وذكريات لا تريد أن تصبح ماضيًا كاملًا. أعتقد أحيانًا أنني تجاوزت أشياء كثيرة، ثم يكفي لحن أو رائحة أو مساء طويل حتى أكتشف أنها ما زالت تسكن في مكان ما بداخلي.

الحقيقة لا تبحث عني، ولا عن أحد. ربما نحن الذين نطاردها لأننا نخاف أن يكون كل هذا بلا تفسير. أشعر كما لو أنني أمضي سنوات في بناء شخص يعرف أشياء كثيرة عن العالم، يفهم الناس، يقرأ، يعمل، يحلل، يتكلم، يضحك، لكنه عندما يعود إلى نفسه يقف أمام باب مغلق. يعرف كل شيء إلا نفسه. وهذا يخيفني.

أصوات مختلفة بداخلي، وندم كبير. لماذا كان لابد أن أصبح هذه الصورة؟ وهل كانت صورة ينتظرها القدر مني منذ البداية، أم أنني فقط أقول ذلك لأنني لا أعرف ماذا أفعل بكل الطرق التي أوصلتني إلى هنا؟ لا أعرف. لكن الريح ما تزال جميلة، وهذه، للحظة واحدة، حقيقة تكفيني.

احتمال أن أنتمي

كل شيء، على حد تجربتي، مجرد احتمال. أقول ذلك ولا أعرف إن كنت أقصدها كفلسفة أم كطريقة أخرى لحماية نفسي من اليقين. يبدأ العقل بالتمثل. فكرة صغيرة تصبح احتمالًا، والاحتمال يصبح صورة، والصورة تبدأ في التمدد حتى يبدو لك أن كل شيء ممكن.

يمكن أن ترى، تسمع، تحاور شخصًا، تصمت أمامه، تدخن سيجارة، تأكل طبقًا جميلًا، تمشي في شارع لم تمش فيه من قبل، تحب، تترك، تعود، تبدأ حياة أخرى. وفي كل مرة تعتقد أنك تقوم بشيء واضح، ثم تنظر إلى نفسك من بعيد فتشعر أنك لا تفعل شيئًا في الحقيقة. أنت فقط تحاول أن تشعر. تحاول أن تمسك بشيء يقول لك إنك هنا.

ربما نحن لا نبحث عن الحقيقة لأنها حقيقة، وإنما لأننا نريد الانتماء إليها. نريد فكرة واحدة لا تتغير كل صباح، شخصًا واحدًا لا نخاف أن نفقده، مكانًا نشعر فيه أننا لسنا ضيوفًا، ونسخة من أنفسنا لا نحتاج كل ليلة إلى إعادة بنائها.

أنت تدخن كي تسكت شيئًا، تكتب كي لا يضيع شيء، تحب كي تنتمي، تعمل كي تشعر أنك مفيد، وتضحك أحيانًا كي لا يلاحظ أحد أنك تراقب نفسك وأنت تضحك. وفي النهاية، ربما ليست المشكلة أنني لا أعرف الحقيقة. ربما المشكلة أنني أخاف من التبعثر. أخاف أن أكون مجموعة احتمالات لم يتحول أي واحد منها إلى حياة.

ولهذا أبحث عن حقيقة أسند رأسي عليها قليلًا. لا أكثر.

هل يمكن أن يكون الشعور صادقًا والطريق خاطئًا؟

السكر حرام. حسنًا. أعرف الجملة، وأعرف معناها، وأعرف أن المسألة ليست جديدة ولا معقدة بالنسبة لمن ينظر إليها من الخارج. لكن لماذا أشعر أحيانًا أن عدم السكر لم يمنع الإنسان من أن يكون مؤذيًا؟ لماذا يمكن لشخص أن يكون واعيًا، صاحيًا تمامًا، ثم يكون عنيفًا في الكلام، عنيفًا في النظرات، في الصمت، وفي الأحكام التي يطلقها على غيره؟

أيها الإنسان، أنت صاحٍ تمامًا، فلماذا تجرح؟ لماذا تستطيع كلمة منك، وأنت في كامل وعيك، أن تبقى في رأس شخص آخر سنوات؟ وهل الأخلاق فقط في الأشياء التي لا نفعلها؟ أم أيضًا في الطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين؟

أفكر في ذلك وأنا أشرب، ولا أحاول أن أبرر شيئًا. أنا فقط مرتبك. لأنني، على الأقل في بعض تلك اللحظات، وأنا أشرب، أشعر أن قلبي يصبح أكثر لينًا. أحب الناس أكثر، أتذكر الله بطريقة غريبة، وأشعر بالامتنان للريح، للموسيقى، للبحر، ولوجودي نفسه.

ثم يأتي السؤال: هل يمكن أن يكون الشعور صادقًا والطريق خاطئًا؟ هل يمكن أن أصل إلى إحساس جميل عبر باب لا ينبغي أن أدخله؟ وهل الله بعيد إلى هذه الدرجة، بحيث أنني حين أحبه في لحظة خاطئة يصبح الحب نفسه موضع شك؟

أنا لا أعرف. ربما أسأل السؤال الخطأ. ربما المسألة ليست: هل الطريق إلى حب الله حرام؟ بل: لماذا أحتاج أحيانًا إلى الهروب من نفسي حتى أشعر أنني قادر على الحب؟ وهذا السؤال أصعب بكثير.

ثقل أن يفتخر بك الآخرون

الضغط لا يتوقف، والأفكار لا تنتهي. خوف عميق يجلس في صدري كأنه يعرف المكان جيدًا، وتوتر قاتل يجعل جسدي كله في حالة انتظار لشيء لا أعرفه. لا أشعر بالأمان. وهذه الجملة وحدها تخيفني، لأنني عندما أسأل نفسي: مم تخاف؟ لا أجد جوابًا واحدًا.

أخاف من المستقبل. أخاف أن أفشل. أخاف أن أنجح ثم أكتشف أن النجاح لم يغير شيئًا بداخلي. أخاف أن أخيب ظن الذين يحبونني. أفكر في أسرتي البعيدة. أتخيلهم يتحدثون عني بفخر، وربما يخبرون أحدًا بما أفعله، أين أعمل، وما الذي وصلت إليه. وأنا أحب ذلك. أحب أنهم سعداء بي.

لكنهم لا يعرفون دائمًا أنني لا أفتخر بنفسي بالطريقة نفسها. لا يعرفون كم مرة أنظر إلى كل ما فعلته وأسأل: هل هذا يكفي؟ هل ما أفعله كل يوم يستحق كل هذا الافتخار؟ هل أنا فعلًا الشخص الذي يرونه؟ أم أنهم يرون النتيجة وأنا وحدي أرى الفوضى التي خلفها الطريق؟

أحيانًا أتمنى لو أستطيع أن أرى نفسي بعيونهم لدقائق. ربما سأكون أقل قسوة. وربما سأكتشف أنهم أيضًا لا ينتظرون مني كل هذه الكمالات التي فرضتها على نفسي. لكنني، رغم معرفتي بذلك، أعود فأضغط على نفسي من جديد، كأنني إن توقفت عن الضغط ثانية واحدة سأنهار.

غربة داخل الغربة

إنني غائب وحاضر في الوقت نفسه. جسدي في المكان، أتكلم وأشتغل وأتحرك وأقوم بما يجب أن أقوم به، لكن هناك جزءًا مني يتأخر دائمًا عن اللحاق بي. لم أدرك إلا متأخرًا أنني سلكت طريقًا صعبة جدًا. ربما كنت أظن أنني قوي لأنني استطعت عبور أشياء كثيرة، لكن العبور لا يعني دائمًا أنك خرجت منها سليمًا.

إنني حقًا وحيد أحيانًا. عشت في مدن ومراكز مختلفة، تغيرت الشوارع والوجوه والغرف والأسرة والنوافذ التي أطل منها على العالم. جربت الصدمات، وغربة المدينة، والوصول إلى مكان لا يعرف عنك شيئًا، ثم محاولة بناء حياة كاملة داخله. أن تبدأ من جديد مرة ومرتين وثلاثًا حتى تصبح كلمة «البداية» نفسها متعبة.

وأحيانًا أشعر بما أسميه الوعي الزائد. ألاحظ كل شيء: النبرات، النظرات، التغير الصغير في وجه شخص أمامي، المعنى المحتمل خلف كلمة عادية، ما قلته وما كان ينبغي أن أقوله، ما قاله الآخر وما الذي ربما قصده. وعي مفرط لا ينفع واقعي في شيء، بل يجعل أبسط الأشياء ثقيلة.

هناك بُعد بيني وبين نفسي، وحصار عاطفي لا أعرف كيف أصفه. أريد الاقتراب من الناس ثم أخاف من الاقتراب. أريد أن يعرفني أحد تمامًا، ثم حين يقترب أحد أشعر بالحاجة إلى الاختباء. أحب الخير. هذه حقيقة أعرفها عن نفسي. لكنني لا أقوى دائمًا على احتمال تناقضاته.

كيف يمكن لمن نحبهم أن يؤذونا؟ كيف يمكن للنية الطيبة أن تنتهي بنتيجة سيئة؟ كيف يمكن لشخص صالح أن يفعل شيئًا قاسيًا؟ كيف يمكن لي أنا نفسي أن أريد الخير ثم أخطئ؟ ربما ما يؤلمني ليس الشر وحده، بل أنني اكتشفت أن البشر أكثر تعقيدًا من أن ينقسموا بسهولة إلى أخيار وأشرار. وأنا واحد منهم.

عينان تحملان أكثر مما ينبغي

أنا كائن هش، حساس أكثر مما أحب أن أعترف به، وأحيانًا أشعر أن عبرات ألمي سقت معاناة كانت صغيرة في البداية، ثم كبرت معي منذ الطفولة حتى صار من الصعب معرفة أين تبدأ الأشياء الجديدة وأين تنتهي الأشياء القديمة.

ربما أنا محظوظ أيضًا، وهذا ما يجعلني أشعر بالذنب أحيانًا. لأن الإنسان يمكن أن يكون محظوظًا ومتألمًا في اللحظة نفسها، لكن العقل لا يحب هذا النوع من التناقض. يقول لي: لديك أشياء جميلة، إذن لماذا تحزن؟ ولا أملك جوابًا.

ربما أنا سهل أن يتم الاحتيال علي. ربما أصدق أكثر مما ينبغي. ربما أحتاج أن أشعر أن الناس طيبون، ولهذا أتجاهل أحيانًا الإشارات التي تقول غير ذلك. وربما لهذا يمكن أن يجرحني شخص بعمق دون أن يفهم حتى ما فعله.

لا أدري، ولا أفهم تمامًا ما أحاول التعبير عنه. كل ما أعرفه أنني صادق في أشياء كثيرة، وربما أخاف من هذا الصدق نفسه. أخاف أن أقترب من شخص ثم أكتشف أن مشاعري أكبر مما يحتمل. أخاف أن أسبب ألمًا لأي إنسان اقترب مني أكثر من اللازم. أخاف أن تكون حاجتي إلى الحب نفسها ثقيلة على من أحب.

ولهذا ابتعدت عن الجميع، أو أقنعت نفسي أن الابتعاد رحمة. أبدو حزينًا، أعرف ذلك. وكلما اقتربت من البحر رأيت في انعكاسه صورة لي. الماء واسع وأنا صغير أمامه. أنظر إليه وأشعر كأن الوجود كله يخرج من عيني، وكأن عيناي ليستا مجرد عينين، بل منبع ألم كوني لا أعرف لماذا أحمله.

آه يا حكيم، لو كنت هنا، ماذا كنت ستقول لي؟ هل كنت ستضحك على كل هذا التفكير؟ أم كنت ستجلس بجانبي فقط وتنظر إلى البحر؟ ربما هذا كل ما أحتاجه أحيانًا. شخص لا يحاول إصلاحي. شخص يجلس فقط.

كلمة واحدة تكفي أحيانًا

كلمات جميلة من أعضاء فريق العمل. هذا كل ما حدث. بعض الكلمات. لكنها كانت كافية لكي أشعر بشيء تغير بداخلي. فجأة أحسست بالانتماء، كأنني لست ذلك الشخص الذي يقف دائمًا عند حافة الجماعة ويتساءل هل مكانه بينهم حقيقي أم مؤقت.

للحظة اختفت كآباتي بسرعة غريبة. بدأت أفكر في تفاصيل العمل، وعادت الأفكار، وعاد الحماس. امتلأت بيقين غريب وكأنني قبل دقائق لم أكن الشخص نفسه. وهذا ما يحيرني: كيف يمكن لكلمة أن تفعل كل هذا بي؟ كيف يمكن لنظرة تقدير أن تعيد ترتيب داخلي؟

حساسيتي تثير بداخلي صراعًا كبيرًا. الشيء الجميل يؤثر فيّ بشدة، والشيء القاسي أيضًا. وكأن جلدي النفسي أرق من اللازم. على الأقل تعود الأمور إلى مجاريها أحيانًا. أضحك، أعمل، أخطط، وأشعر أنني قادر على الاستمرار.

لكن في مكان صغير من رأسي أعرف أنني ربما أعود بسرعة إلى ذلك الركن الحزين. ذلك الركن الذي لا يرى شيئًا، الذي يفقد الأمل في كل شيء. وأحيانًا يصل بي الحزن إلى التفكير في الانتحار. أكتب الكلمة وأخاف منها. فما الجدوى من حياة أرى فيها نفسي بلا قيمة وبلا معنى؟ فقط أخطاء، ندم، وهروب.

ثم أعود وأسأل نفسي: لكن هل هذه هي الحقيقة فعلًا؟ قبل ساعات فقط كانت كلمات بسيطة كافية لكي أشعر أنني مهم. فكيف يمكن أن أكون بلا قيمة تمامًا؟ ربما المشكلة أنني حين أحزن أنسى كل الأدلة التي تقول العكس، وحين أسعد أنسى كم كنت حزينًا. كأن كل حالة تريد إقناعي بأنها الوحيدة التي عشتها في حياتي.

أحب الأيام الجميلة. أتمنى لو تستطيع أن تبقى. لكن ربما لا أحتاجها أن تبقى إلى الأبد. ربما يكفي أن أتذكر، حين يعود الظلام، أن الأيام الجميلة حدثت فعلًا، وأنها يمكن أن تعود.

أخاف من الحماس أيضًا

الشعور بالحماس يبدو جميلًا في البداية. الصدر ينفرج، والنفس تصبح خفيفة، وفجأة أشعر أن العالم كله مفتوح أمامي. لكنني لا أقدر دائمًا على التحكم في نفسي حين يحدث ذلك. بمجرد أن ينفرج صدري، ولو للحظة، أفقد التركيز بطريقة أخرى.

أريد أن أفعل كل شيء الآن. أريد أن أكتب، أعمل، أقرأ، أتعلم شيئًا جديدًا، أرسل رسائل، أصنع مشروعًا، أغير حياتي، أرتب الغرفة، وأخطط للمستقبل. كل شيء يبدو ممكنًا. ثم بسرعة أشعر بالإرهاق، كأنني انفجرت من الداخل.

الأفكار كثيرة جدًا. كل واحدة منها تصرخ: أنا أولًا. وأحاول أن أمسك بها كلها حتى لا تضيع، فتضيع مني أكثر. أفكر في كل شيء، وهذا أمر صعب، لأنني ألاحظ في نفسي أنني لا أتحكم دائمًا في هذه الأشكال من العواطف: الحماس المفرط، الشعور بأنني قادر على فعل أي شيء، وخصوصًا ذلك الإبداع المجنون الذي يأتي كأنه سيل.

في تلك اللحظات أحب نفسي. أحب رأسي. أحب العالم. وأقول: هكذا أريد أن أكون دائمًا. نشيطًا، ممتعًا لنفسي، ممتعًا للآخرين، خفيفًا، مبدعًا. لكن جزءًا مني يخاف حتى وأنا سعيد. يقول لي: وماذا بعد؟ ماذا لو كانت هذه مجرد لحظة؟ ماذا لو انتهت؟ ماذا لو استيقظت غدًا وعدت إلى تلك الكآبة القاتلة؟

وهكذا أفسد أحيانًا على نفسي الحاضر بالخوف من المستقبل. أرجو فقط أن أقدر على تحمل ما يجري بداخلي، لا أن أخنقه، ولا أن أتركه يقودني إلى الإنهاك. أريد أن أتعلم كيف أكون سعيدًا دون أن أخاف من السعادة، وكيف أكون حزينًا دون أن أعتقد أن الحزن نهاية العالم.

حين تهرب الكلمات

أفكر. تأتي الأفكار واضحة وكاملة وأنا بعيد عن الدفتر. أقول لنفسي: هذه المرة سأكتبها. أفتح الدفتر، أمسك القلم، وفجأة يتبخر كل شيء. أنظر إلى الصفحة كأنني لم أفكر في حياتي أبدًا، وكل ما أقدر على كتابته هو أنني فقدت الأفكار، وأنها هربت مني.

ثم أسأل نفسي: لماذا؟ لماذا أشعر بعمق إلى هذه الدرجة، لكن حين أقرر تفكيك عواطفي في نص أو فقرة تصبح المهمة شبه مستحيلة؟ ربما الشعور أسرع من اللغة. ربما داخلي لا يعيش في جمل مرتبة. هو صور، روائح، خوف، موسيقى، وجوه، ذكريات، إحساس في الصدر، وأشياء لا تعرف كيف تتحول مباشرة إلى كلمات.

لكنني أغضب من نفسي. أريد أن أكتب جيدًا. أريد أن أفسر نفسي لنفسي. وحين أفشل أشعر كأن شخصًا آخر بداخلي انتصر من جديد. حقًا، وبلا أي كذب، أشعر أحيانًا أن هناك شخصًا آخر بداخلي. لا أعرفه، أو ربما أعرفه أكثر مما أحب.

همه الوحيد أن يدمر كل شيء أبنيه. كلما بدأت أثق بنفسي يقول لي إنني أحمق. كلما وضعت هدفًا يقول لي إنني لن أكمله. كلما أحبني أحد يسألني: لماذا سيحبك؟ وكلما شعرت أنني وجدت طريقي يهمس لي بأنني سأنتهي متشردًا، بلا هدف، بلا معنى.

أعرف أن هذا الصوت مني، وهذا ربما أكثر ما يخيفني. كيف أحارب شيئًا يعرف كل نقاط ضعفي لأنه يسكن في المكان نفسه الذي أسكنه؟ لقد فقدت الثقة في أشياء كثيرة. في نفسي أحيانًا، وفي الآخرين أحيانًا، وفي الأفكار، وفي قدرتي على معرفة أي صوت بداخلي يجب أن أصدقه.

العالم قاس جدًا يا أنا. أعرف. لكنك أيضًا قاس على نفسك أكثر مما ينبغي.

ربما لهذا أكتب. ليس لأنني أملك الإجابة، بل لأن الصفحة، على الأقل، لا تقاطعني، ولا تحكم علي، ولا تطلب مني أن أكون نسخة واضحة ومتماسكة من نفسي. تسمح لي أن أكون متناقضًا؛ أن أحب وأخاف، أن أكون ممتنًا وغاضبًا، أن أكون قويًا وهشًا، أن أرغب في الحياة وأتعب منها، وأن أكون كل هذه الأشياء في أسبوع واحد.

وربما، في النهاية، هذه الكتابة ليست محاولة لكي أعرف نفسي مرة واحدة وإلى الأبد. ربما هي فقط طريقة لكي أعود إليها كلما ضاعت مني.

ك.ج

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")