اليوم سيلعب المغرب ضد إسكتلندا، و لكن...
اليوم سيلعب المغرب ضد اسكتلندا. وأنا هنا، في الحانة كعادتي، قبل الجميع تقريباً. أحب أن أصل مبكراً، ليس لأنني متحمس للمباراة أكثر منهم، بل لأنني أحب أن أرى الأمكنة وهي لا تزال فارغة، أو شبه فارغة، قبل أن تبتلعها الضوضاء.
في هذه الساعة يكون للمكان وجه آخر. الكراسي ما تزال في أماكنها الطبيعية، والطاولات لم تتراكم فوقها الكؤوس والقصص الصغيرة التي يتركها الناس وراءهم. حتى العاملون هنا يتحركون بهدوء أكبر، كأنهم يعرفون أن العاصفة لم تبدأ بعد.
أما الآخرون، فيفضلون المجيء بعد العاشرة. وهذا مفهوم. الليل هو الوقت الحقيقي للحانات. في آخر الليل تصبح الحانة شيئاً يشبه الميناء؛ ترسو فيه أرواح كثيرة جاءت من أماكن مختلفة، تحمل تعبا مختلفا، وأحلاما مختلفة، وخيبات مختلفة أيضاً.
الغريب أنني أشعر أنني أنتمي إلى هؤلاء الناس، وفي الوقت نفسه أشعر أنني لا أنتمي إليهم أبداً.
أعرف وجوههم.
أعرف طريقتهم في الضحك.
أعرف الموضوعات التي يعودون إليها كل ليلة.
لكنني لا أشعر أنني واحد منهم بالمعنى الكامل للكلمة.
ربما لأنني لا أحب اللقاءات أصلاً. لا أحب أن أكون وسط مجموعة كبيرة من الناس. أحب أن أجلس وحدي، وأن أراقب، وأن أترك للأفكار حرية الحركة داخل رأسي.
ومع ذلك أعود إلى هنا دائماً.
كأنني أبحث عن العزلة وسط الجماعة، لا خارجها.
اليوم يبدو كل شيء أكثر توتراً من المعتاد.
الأعلام في كل مكان.
القمصان الحمراء في كل مكان.
الأحاديث كلها تدور حول المباراة.
هناك شيء يشبه الكهرباء في الهواء.
كأن الناس ينتظرون حدثاً أكبر من مباراة كرة قدم.
وربما هو أكبر فعلاً.
فالمنتخبات الوطنية لا تلعب كرة القدم فقط، بل تلعب أيضاً دور الحامل المؤقت لأحلام الشعوب. خلال ساعات قليلة يصبح ملايين الأشخاص جسداً واحداً تقريباً، يتمنى الشيء نفسه، ويخاف الشيء نفسه، ويحتفل بالطريقة نفسها.
وأنا أراقب هذا كله.
لا أستطيع أن أنكر أنني أتأثر به.
ثمة قوة حقيقية في الجموع.
قوة غامضة.
شيء يشبه الإيغريغور الذي يتحدث عنه البعض.
روح جماعية تنشأ فجأة حين يقرر عدد كبير من الناس أن يؤمنوا بالشيء نفسه.
أشعر بها.
لكنني أقاومها أيضاً.
ربما لهذا أكتب.
الكتابة بالنسبة لي ليست وسيلة للتعبير فقط، بل وسيلة للحفاظ على المسافة.
بينما يندمج الآخرون في الهتاف، أندمج أنا في الملاحظة.
بينما يرفع الآخرون الأعلام، أحاول أن أرفع الأسئلة.
لا أعرف إن كان هذا فضيلة أم عيباً.
لكنني هكذا منذ زمن.
دائماً أميل إلى الجهة المقابلة.
ليس لأنني أحب المعارضة.
وليس لأنني أظن نفسي أذكى من الآخرين.
بل لأنني أخاف من الذوبان.
أخاف أن أستيقظ يوماً فأجد أنني أصبحت أردد ما يقوله الجميع فقط لأن الجميع يقوله.
لهذا أحاول دائماً أن أبني هوية مضادة.
هوية لا تعني الرفض المستمر، بل تعني الاحتفاظ بحق السؤال.
من سيفوز الليلة؟
لا أدري.
وربما المغرب هو الأقرب.
وربما ستنتهي الليلة بالاحتفالات والصراخ والأغاني.
وربما سيحدث العكس تماماً.
لكن الحقيقة أن الأمر لا يشغلني كثيراً.
ما يشغلني هو أشياء أخرى.
الحب مثلاً.
ذلك الشيء الذي يبدو أكثر هشاشة من أن يتحمله هذا العالم.
والصدق.
ذلك الشيء الذي يتحدث عنه الجميع ويهرب منه الجميع تقريباً.
ويشغلني أيضاً هذا الضياع الغريب الذي أراه في المجتمعات الحديثة، وخصوصاً في المجتمع المغربي.
أحياناً أشعر أن الناس يتفقون على أمور كثيرة دون أن يسألوا أنفسهم لماذا.
يتفقون بسرعة.
يحتفلون بسرعة.
يغضبون بسرعة.
وينسون بسرعة أيضاً.
قبل أيام كنت أكتب عن المتشردين.
عن أولئك الذين يمرون أمامنا كل يوم ولا يراهم أحد.
وقبلها كنت أكتب رسالة طويلة إلى فتاة أحبها قلبي ثم غادرت بهدوء، كما تغادر بعض الفصول الجميلة من السنة دون أن تودع أحداً.
وكلما عدت إلى تلك النصوص اكتشفت شيئاً واحداً.
أنني لم أعد أخاف.
لم أعد أخاف من أن أقول ما أراه.
لم أعد أخاف من أن أبدو مختلفاً.
ولم أعد أخاف من أن أخسر بعض القبول الاجتماعي بسبب فكرة أو جملة أو موقف.
ربما لأن الإنسان حين يصل إلى نقطة معينة يكتشف أن الصمت مكلف هو الآخر.
وأن الاختباء داخل الجموع له ثمن أيضاً.
لذلك أكتب.
أكتب بينما ينتظر الجميع صافرة البداية.
وأكتب بينما يتحدث الجميع عن الفوز والخسارة.
وأكتب لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي أشعر أنه يخصني بالكامل.
قد يفوز المغرب الليلة.
وقد تخسر اسكتلندا.
وقد يحدث العكس.
لكن غداً سيأتي يوم جديد، وستعود الحانة إلى عادتها القديمة، وسيعود الناس إلى همومهم الصغيرة والكبيرة.
أما أنا فسأعود إلى دفتري.
إلى أسئلتي.
إلى شكوكي.
وإلى تلك المحاولة المستمرة لفهم العالم دون أن أصبح نسخة أخرى منه.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق