آخر ما نشر كارل!

هل يمكن أن أصبح واحداً منهم؟

منذ مدة، لا أستطيع أن أحدد إن كانت ثلاثة أشهر أم ثلاث سنوات كاملة، بدأت ألاحظ شيئا يتكرر أمامي كلما خرجت لأتمشى في شوارع طنجة. المتشردون. في البداية كنت أراهم كأي عابر سبيل يرى وجها مألوفا في الطريق، ثم صار حضورهم أكثر وضوحا في عيني، حتى أصبح من النادر أن أمضي يوما دون أن أصادف عددا منهم. وإن لم يكن العدد كبيرا، فغالبا ما أرى خمسة أو أكثر موزعين بين الأرصفة والساحات والزوايا المنسية من المدينة.

أراقبهم أحيانا من بعيد، لا بدافع الشفقة وحدها، ولا بدافع الفضول فقط، بل لأن وجودهم يثير في داخلي أسئلة لا أجد لها جوابا. رجال ونساء، شباب وأحيانا أطفال. أجساد تتحرك داخل المدينة، لكنها تبدو وكأنها تعيش خارج إيقاعها. فأجد نفسي أتساءل: ما الذي أوصلهم إلى هنا؟ هل هي أسرة تفككت يوما؟ هل هو فقر تراكم ببطء؟ هل هو مرض نفسي لم يجد من يعالجه؟ أم أنها حياة بدأت أصلا من الهامش، فلم تعرف طريقا آخر غير الهامش؟

نادرا ما أتحدث إلى أحد منهم. غالبا ما يحدث فقط ذلك التلاقي السريع بين عينين غريبتين. قليل منهم من يبتسم. وكثير منهم يحملون ذلك التعب الذي يجعل الملامح نفسها تبدو منهكة. أحيانا أشعر وكأنهم يكررون الحركات ذاتها والكلمات ذاتها كل يوم؛ طلب المساعدة، طلب المال، أو ربما طلب شيء أعمق من ذلك كله: أن يلاحظهم أحد.

وكلما تأملت أكثر، وجدت نفسي أفكر في مسألة غريبة. الإنسان بطبيعته يقاوم ما يؤذيه. يحاول أن يهرب من الألم، أن يغير واقعه، أن يبحث عن فرصة أخرى حين تضيق به السبل. لكن حين أنظر إلى بعض هؤلاء الأشخاص، أشعر وكأن هذه الغريزة نفسها قد انطفأت. ليس لأنهم لا يشعرون بالألم، بل لأنهم ربما عاشوه طويلا إلى درجة أنه أصبح جزءا من طبيعتهم. فالمرء لا ينهزم دائما بضربة واحدة، بل أحيانا ينهزم بالتدريج، حتى ينسى أنه كان يقاوم في يوم من الأيام.

لهذا لا أعتقد أن التشرد مجرد فقدان بيت. إنه فقدان أشياء كثيرة قبل ذلك: فقدان الثقة، وفقدان العلاقات، وفقدان الأمل، وربما فقدان صورة الإنسان عن نفسه. حين يصل المرء إلى مرحلة لا يعود فيها مهتما بصحته أو مظهره أو نظافته، فغالبا ما يكون شيء أعمق قد انهار في داخله قبل أن ينهار كل شيء خارجه.

ومع ذلك، كلما فكرت فيهم، اكتشفت أنني لا أفكر فيهم وحدهم. أفكر في نفسي أيضا.

هناك شيء في هؤلاء الأشخاص يجعلني أشعر بقرب غريب منهم. ليس لأنني أعيش حياتهم، ولا لأنني أعرف معاناتهم الحقيقية، بل لأنني أعرف معنى الضياع. أعرف معنى أن يحمل الإنسان داخله فوضى لا يراها أحد. أعرف معنى أن يخرج إلى الشوارع لا لأنه يريد الوصول إلى مكان ما، بل لأنه لا يريد العودة إلى المكان الذي ترك فيه أفكاره تنتظره.

كثيرا ما أمشي بلا هدف واضح. لا أبحث عن شيء محدد، لكنني أهرب من شيء ما. أهرب من الصخب الذي يسكن رأسي. من الأسئلة التي تتصارع داخلي. من تلك الأفكار التي لا تكتفي بالظهور، بل تجرح أيضا. وحينها أتساءل: ما الفرق الحقيقي بيني وبين ذلك الرجل الجالس على الرصيف؟

قد يبدو الفرق واضحا للوهلة الأولى. لدي بيت أعود إليه، وملابس نظيفة، وبعض النظام في حياتي. لكن هل يكفي ذلك كله كي أشعر بالأمان؟ لا أعتقد. فالأمان ليس جدرانا فقط. الأمان شعور داخلي قبل أن يكون مكانا خارجيا. وحين يفقد الإنسان هذا الشعور، يصبح ضائعا بطريقة أو بأخرى، حتى لو كان يملك عنوانا ثابتا يكتبه على الأوراق الرسمية.

أحيانا أسأل نفسي سؤالا لا أحب طرحه: هل يمكن أن أصبح يوما مثلهم؟ متشردا؟ منسيا؟ شخصا تراه العيون ثم تنصرف عنه دون أن تتذكر ملامحه؟

لا أعرف.

لكنني أعرف أن الإنسان أقرب إلى السقوط مما يتخيل، وأقرب أيضا إلى النجاة مما يظن. وربما لهذا السبب تحديدا أشعر بشيء من الرهبة كلما مررت بجانب أحد المتشردين. فأنا لا أرى فيه شخصا غريبا تماما، بل أرى احتمالا إنسانيا قائما، مصيرا كان يمكن أن يكون لأي واحد منا لو اختلفت بعض الظروف، أو لو خسر بعض المعارك الداخلية أكثر مما احتمل.

ولهذا لا أخاف أن أصبح بلا بيت فقط، بل أخاف أن أفقد ذلك الجزء من نفسي الذي لا يزال يقاوم. ذلك الجزء الصغير الذي يجعلني أعتني بنفسي، وأتمسك ببعض أحلامي، وأؤمن أن الغد قد يكون أقل قسوة من اليوم. لأن التشرد الحقيقي، في نظري، لا يبدأ حين ينام الإنسان في الشارع، بل حين يتوقف عن الإيمان بأن حياته يمكن أن تتغير.

ك.ج 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")