محاولة فاشلة لأكون حرًا

 أحيانًا، حين أتوقف عن الحكم على نفسي، حين أترك كل شيء يسقط، الخير والشر، الحلال والحرام، الصحيح والخاطى، أشعر كأنني أتحرر… لكن هذه الحرية لا تأتي خفيفة دائمًا.

تأتي ومعها ارتباك غريب، كأنني أقف على حافة شيء لا أعرف اسمه.


حين أكون “كما أنا”، دون مراقبة، دون تعريف، دون محاولة أن أكون… أجد نفسي أفعل فقط. أعيش. أتحرك. أستمتع.

لكن فجأة، يمرّ ظل داخلي يسألني:

هل هذا أنت فعلًا؟ أم أنك تنزلق؟


أحاول كل يوم أن أقترب أكثر من نفسي، أن أفهم: من أين تأتي هذه الأصوات؟

من أين يأتي “حكيم” الذي يظهر كل صباح، بوجه جديد، برغبة جديدة، بقناعة مختلفة؟


اليوم، وجدت نفسي أتحدث بصوت عالٍ، كأنني شخصان أو أكثر.

كنت أتكلم عن كل شيء: عائلتي، أصدقائي، الغرباء، الماضي، أشياء لم أقلها من قبل…

لم يكن الحديث موجّهًا لأحد، بل كأنني كنت أحاول أن أسمع نفسي أخيرًا.


كأن داخلي مزدحم، وأنا أحاول فتح نافذة.


لكن في الخارج، لا أحد.

أمد يدي للهاتف… ثم أتوقف.

الجميع بعيد، مشغول، غارق في حياته.

فأعود لنفسي… وأكمل الحديث.


ثم، فجأة، يحدث شيء مختلف.

تتوقف الأصوات.

يأتي صمت… ليس فارغًا، بل ممتلئ.

هدوء عميق، تركيز ناعم، حضور كامل…

لا ألم، لا صراع، لا حاجة لتفسير أي شيء.


في تلك اللحظة، كل شيء يبدو منسجمًا.

حتى ما ليس “جيدًا” لا يبدو عدوًا…

كأن الحياة، بكل تناقضاتها، تصبح مقبولة… بل محبوبة.


أشعر بحرية، لكن دون اندفاع.

حب، لكن دون رغبة في الامتلاك.

وجود… فقط.


لكن هذه الحالة لا تدوم.

كأن شيئًا ما في داخلي لا يتحملها طويلًا.


يعود الضجيج.


حكيم يريد أن يهرب إلى المتعة.

آخر يريد أن ينام.

آخر يجرّني إلى الماضي، إلى الخذلان، إلى قصص لم تنتهِ.

وآخر… لا يريد شيئًا. فقط يريد أن يختفي.


أقف بينهم، لا كقاضٍ، بل كمن يحاول أن يفهم:

هل أنا واحد منهم؟

أم أنني المساحة التي تجمعهم؟


أحاول أن أعيش في تلك الطبيعة التي لم أخترعها، بل اكتشفتها صدفة…

طبيعة هادئة، خلاقة، لا تحتاج إلى إذن لتكون.

وأشعر أحيانًا أنها ليست “طبيعتي” وحدي،

بل شيء أوسع… شيء كان يمكن أن نكبر فيه جميعًا،

لو لم نتعلم أن نراقب أنفسنا حتى في وحدتنا.


ربما، في النهاية، لست أحاول أن أكون حرًا…

بل أحاول أن أصدق أنني كذلك.


لكن هذا الجدار الداخلي…

لا يُكسر بالصوت، ولا بالفهم فقط.


يذوب مع الوقت.


ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")