آخر ما نشر كارل!

طنجة لا تنتظر أحدا

  في طنجة، حيث يسند البحر رأسه إلى المدينة، لا أدرك بعد إلى أيّ حدّ أنا محظوظ. نزلتُ إلى ظلمات نفسي، ومشيتُ فيها طويلًا، حتى صار العاديُّ بابًا لا أعرف كيف أدخله. بحثتُ عن الحرية كأنّها بيت، وعن الاستقلال كأنّه مفتاح. وابتعدتُ عن الجميع، لأسمع، وسط كلّ ذلك الصمت، صوتَ الذي أكونه. لكنّ الحياة لم تنتظرني. مضت، تجرّ الأيام من يدي، ولم تلتفت لتقول: خذ وقتك، سأبقى هنا، فقط أكمل طريقك، واعثر على أجوبة أسئلتك. رميتُ كلّ يقيني في الريح، وقبلتُ الخوف. رميتُ كلّ إيماني خلفي، وقبلتُ الإثم. فعشتُ الفشل يعود إليّ، بالوجه نفسه، وبأسماء جديدة، بينما كنتُ، في أعين الجميع، ذلك الناجح الذي لا أعرفه. وقبلتُ أن أسقط من جديد، أن أصبح شخصًا آخر في الزحام، عابرًا لا يحفظ أحدٌ اسمه. اليوم، وأنا بصحبة أخي، صار العالم أخفَّ قليلًا. نستمع إلى المذياع، فتفتح الأغاني الأمازيغية نافذةً نحو الأطلس. هو يُعدّ الغداء، ويبدو كلّ شيء، للحظة، في مكانه. وأنا أركض بين أفكاري، أحاول أن أمسك معنى المتعة قبل أن يفلت منّي. اليوم، وأنا بصحبة أخي، تعلّمتُ أن النجاة لا تأتي دائمًا في هيئة جواب. قد تأتي في هيئة أخ يُعدّ الغداء،...

كلما تذكرت، ابتعدت الأشياء أكثر

 أحيانا أشعر أن حياتي كلها حدثت في أسبوع واحد فقط.

أتذكر نفسي صغيرًا، أجلس على الأرض أمام البيت، أراقب الناس يمرون، و أظن أن العالم كبير جدًا، و أن الكبار يعرفون كل شيء. كانت الأيام طويلة بشكل غريب، الظهيرة لا تنتهي، و العطلة الصيفية تبدو كأنها عمر كامل. كنت أستطيع أن أعيش أسبوعًا كاملًا فقط من أجل لعبة صغيرة، أو من أجل زيارة قريبة، أو فقط لأن أبي وعدني أن نخرج مساءً.


اليوم، تمر الأسابيع دون أن أشعر بها.


أحيانا أستيقظ صباحًا، ثم أجد الليل قد جاء بسرعة غير مفهومة، كأن النهار لم يُفتح بالكامل أصلًا. حتى الفصول لم تعد واضحة كما كانت، لم أعد أشعر بدخول الشتاء كما كنت أشعر به وأنا صغير، ولا برائحة الصيف الأولى، كل شيء صار يمر سريعًا، هادئًا، دون أن يترك أثره الطويل.


الغريب أن الذاكرة ما تزال تحتفظ بكل شيء.


أتذكر وجوهًا لم أرها منذ سنوات، و أتذكر بيوتًا هُدمت ربما، و طرقًا كنت أظنها بعيدة جدًا، ثم اكتشفت حين كبرت أنها لا تبعد سوى دقائق. أتذكر أصوات الملاعق في المطبخ، و صوت التلفاز في الليل، و تلك الطمأنينة القديمة حين كان كل شيء مرتبًا بطريقة لا أفهمها، لكنني كنت أشعر بها.


كبرنا فجأة.


أصبحنا نتحدث عن الكراء، و العمل، و التعب، و الصحة، و المستقبل، بنفس الطريقة التي كان يتحدث بها الكبار الذين كنا نظنهم بعيدين جدًا عنا. أحيانا أنظر إلى نفسي من الخارج فأستغرب: متى حدث هذا كله؟


قبل أيام، كنت أتحدث مع رجل يكبرني بقليل، كان يتحدث عن بداية الألفينات كما لو أنها حدثت أمس. كان يضحك وهو يقول إن السنوات أصبحت تتساقط بسرعة، ثم صمت قليلًا، وقال جملة بقيت في رأسي طوال اليوم:

"حين كنت صغيرًا، كنت أظن أن الأربعين عمر بعيد جدًا... الآن أشعر أنني عبرت إليه وأنا منشغل فقط."


ربما هذه هي المشكلة فعلًا.


نحن لم نعد نعيش الوقت كما كنا، بل أصبحنا نطارده. حتى أفكارنا صارت تركض، و أحلامنا كذلك، و خوفنا أيضًا. لم نعد نجلس طويلًا مع الأشياء. حتى الحزن أصبح سريعًا، وحتى الفرح أحيانًا.


ومع ذلك، هناك لحظات صغيرة تعيد كل شيء.


رائحة قديمة، أغنية، شارع، ضوء العصر على الحائط، أو مجرد حديث عابر مع شخص لا يعرف أنه أيقظ داخلك عمرًا كاملًا.


حينها فقط، تشعر أن الطفل الذي كنته لم يختفِ تمامًا، بل ما يزال هناك، يجلس في مكان ما داخلك، ينظر إليك باستغراب، ويتساءل كيف مرّ كل هذا الوقت بهذه السرعة...


ثم يبتسم، كأنه يعرف أن الجواب لن يأتي أبدًا.


ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")