لا بيت أخير لنا

 ليس سهلا أن يشعر الإنسان اليوم بأنه ينتمي فعلا إلى شيء ثابت.

خصوصا في هذا العصر الذي صارت فيه المدن الكبيرة تبتلع الناس بهدوء، دون أن ينتبهوا أنهم يفقدون شيئا أساسيا في داخلهم. ربما لأن الحياة الحديثة لم تعد تصنع جماعات، بل تصنع أفرادا متجاورين فقط، أفرادا يمرون قرب بعضهم مثل العابرين في محطة قطار طويلة.

أحيانا أفكر أن الإنسان قديما، في زمن القبائل والقصور والواحات، لم يكن يحتاج أن يسأل نفسه: من أنا؟ وإلى أين أنتمي؟

كان يولد فيجد العالم قد سبق واحتضنه قبل أن يفهم أي شيء. الأرض موجودة، النخيل موجود، الناس يعرفونه حتى قبل أن يتعلم الكلام، والعائلة ليست مجرد أب وأم وإخوة، بل شبكة كاملة من الوجوه والبيوت والقرابة والذاكرة والعمل المشترك. حتى الفقر وقتها كان له معنى مختلف، لأنه فقر داخل جماعة، لا فقر داخل عزلة.

الطفل هناك لم يكن مطالبا أن يخترع نفسه من الصفر.

لم يكن مطلوبا منه أن يهاجر باحثا عن معنى أو وظيفة أو فرصة. كان يكبر فقط ليدخل مكانه الطبيعي وسط دورة الحياة. يعمل، يتعب، يحب، يتزوج، ويواصل ما بدأه الذين قبله. ربما كانت الحياة قاسية، لكنها كانت مفهومة.

أما نحن، أبناء المدن الحديثة، أو أبناء التحول الكبير نحو المدن، فقد ولدنا في شيء مختلف تماما.

الأسرة النووية تبدو في ظاهرها شيئا طبيعيا، لكنها في العمق تحمل هشاشة كبيرة. طفل يولد داخل شقة صغيرة في مدينة بعيدة، لا يملك شيئا سوى وعود طويلة بالمستقبل. يقال له منذ البداية: ادرس جيدا، اعتن بصحتك، احصل على الدبلومات، وبعدها ربما ستعيش حياة جيدة. كل شيء مؤجل. الانتماء نفسه مؤجل.

وحين أفكر في نفسي، كإنسان أصله من فجيج، من ذلك الجنوب الشرقي البعيد، أفهم أكثر معنى هذا التحول.

بين فجيج سنة 1994 وفجيج سنة 2026 توجد مسافة أكبر من مجرد سنوات. توجد حياة كاملة انهارت وحياة أخرى لم تكتمل بعد.

ربما عشت في طفولتي شيئا من العالم القديم، بين قصر مدرار وتخاولت، ربما التقطت آخر بقايا ذلك الإحساس الجماعي الذي كان يجعل الإنسان يشعر أن له مكانا واضحا وسط الناس. لكن حتى ذلك العالم كان يختفي ببطء. كان الجميع يدخلون نحو شكل جديد من الحياة لا يفهمونه تماما.

أبي مثلا، حين أصبح موظفا وانتقل إلى بني تدجيت، لم يكن فقط يغير مكان السكن، بل كان يقتحم عالما جديدا بالكامل: عالم الأسرة النووية الحديثة. عالم تصبح فيه الوظيفة أهم من الأرض، والإدارة أهم من الجماعة، والراتب الشهري أهم من الذاكرة القديمة. ربما كان ذلك ضروريا حتى نعيش، لكن شيئا ما انقطع في الطريق.

المشكلة أن الأسرة النووية لا تمنح الإنسان انتماء مستقرا، بل تمنحه مرحلة مؤقتة فقط.

في البداية تشعر أن العائلة هي العالم كله، ثم تكبر فجأة لتكتشف أن كل شيء كان عابرا. إخوتك يتفرقون، أصدقاء الطفولة يختفون في مدن أخرى، زملاء الجامعة يتحولون إلى ذكريات موزعة بين الرباط ووجدة والدار البيضاء وفاس. حتى الأماكن نفسها تصبح مؤقتة، كأنك لا تعيش في وطن بل داخل محطات متتالية.

ومع الوقت، يبدأ الإنسان يشعر أنه يحمل حياته كلها داخل حقيبة غير مرئية.

لا بيت نهائي، لا جماعة نهائية، لا مكان يقول لك: ابق هنا، هذا مكانك الحقيقي.

لهذا أحيانا يبدو المجتمع الحديث كله كأنه مصنع كبير لإنتاج الوحدة.

الناس يشتغلون كثيرا، يتحركون كثيرا، يتواصلون كثيرا، لكنهم في العمق معزولون بشكل لم يكن موجودا من قبل. حتى العلاقات الإنسانية أصبحت تشبه العقود المؤقتة: الدراسة مرحلة، الصداقة مرحلة، الحب مرحلة، المدينة مرحلة، العمل مرحلة. وكلما انتهت مرحلة، يجد الإنسان نفسه مطالبا أن يبدأ من جديد، كأن حياته لا تملك جذرا حقيقيا تستند إليه.

وربما لهذا السبب صار المال يحتل كل شيء.

ليس لأن الناس أصبحوا ماديين فقط، بل لأن المال تحول إلى آخر شكل ممكن من الأمان داخل عالم فقد أشكال الانتماء القديمة. الإنسان اليوم لا يحلم كثيرا بأن يكون جزءا من جماعة، بل يحلم فقط أن يملك ما يكفي ليصنع لنفسه عزلة مريحة، أو ليبني أسرة نووية جديدة يعيد فيها نفس الدورة مرة أخرى.

أحيانا وأنا أرى الناس كل صباح في الشوارع، في الحافلات، في المقاهي، أشعر أن الجميع يحملون نفس التعب الداخلي حتى لو لم يتكلموا عنه.

خصوصا نحن أبناء التسعينات. نحن جيل ولد بين عالمين: لم نعش الجماعة القديمة بالكامل، ولم نستطع أيضا أن ننسجم تماما مع الفردانية الحديثة. لذلك نشعر دائما كأننا متأخرون عن شيء ما، أو منفصلون عن شيء لا نستطيع تسميته.

ربما لهذا أكتب.

ليس لأنني أملك أجوبة، بل لأنني أحاول فقط أن أفهم ماذا حدث لنا بالضبط. كيف تحول الإنسان من كائن يعيش داخل جماعة وذاكرة ومكان واضح، إلى كائن يقضي عمره كله وهو يحاول أن يجد مكانا يشعر فيه، ولو للحظة قصيرة فقط، أنه ليس غريبا.

ك.ج


تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")