آخر ما نشر كارل!

طنجة لا تنتظر أحدا

  في طنجة، حيث يسند البحر رأسه إلى المدينة، لا أدرك بعد إلى أيّ حدّ أنا محظوظ. نزلتُ إلى ظلمات نفسي، ومشيتُ فيها طويلًا، حتى صار العاديُّ بابًا لا أعرف كيف أدخله. بحثتُ عن الحرية كأنّها بيت، وعن الاستقلال كأنّه مفتاح. وابتعدتُ عن الجميع، لأسمع، وسط كلّ ذلك الصمت، صوتَ الذي أكونه. لكنّ الحياة لم تنتظرني. مضت، تجرّ الأيام من يدي، ولم تلتفت لتقول: خذ وقتك، سأبقى هنا، فقط أكمل طريقك، واعثر على أجوبة أسئلتك. رميتُ كلّ يقيني في الريح، وقبلتُ الخوف. رميتُ كلّ إيماني خلفي، وقبلتُ الإثم. فعشتُ الفشل يعود إليّ، بالوجه نفسه، وبأسماء جديدة، بينما كنتُ، في أعين الجميع، ذلك الناجح الذي لا أعرفه. وقبلتُ أن أسقط من جديد، أن أصبح شخصًا آخر في الزحام، عابرًا لا يحفظ أحدٌ اسمه. اليوم، وأنا بصحبة أخي، صار العالم أخفَّ قليلًا. نستمع إلى المذياع، فتفتح الأغاني الأمازيغية نافذةً نحو الأطلس. هو يُعدّ الغداء، ويبدو كلّ شيء، للحظة، في مكانه. وأنا أركض بين أفكاري، أحاول أن أمسك معنى المتعة قبل أن يفلت منّي. اليوم، وأنا بصحبة أخي، تعلّمتُ أن النجاة لا تأتي دائمًا في هيئة جواب. قد تأتي في هيئة أخ يُعدّ الغداء،...

آخر ليلة في هذا العالم

 في هذه الليلة، سأفترض أنها آخر ليلة لي في هذا العالم.

آخر ليلة أجلس فيها قرب نافذتي، أراقب أضواء المدينة البعيدة وهي ترتجف كنجوم متعبة، آخر ليلة أشعل فيها سيجارة بيد مرتعشة قليلا، وأشرب الجعة ببطء كأنني أريد أن أُطيل عمر الوقت لدقائق إضافية فقط.

سأفترض أنني حين أنام هذه المرة، لن أستيقظ أبدا.

أو ربما لن أموت بالمعنى المعروف للموت، ربما فقط سأتبخر بهدوء، كأنني لم أكن هنا يوما، كأن هذا الجسد كان مجرد فكرة عابرة في رأس الكون، وكأن الكاتب الذي يكتب هذه الكلمات الآن ليس سوى ظل مؤقت سيمحوه الصباح.

أفكر أحيانا في الذي سيقرأ هذا النص.

كيف سيكون شعوره؟

هل سيتوقف قليلا عند هذه الجملة تحديدا؟ هل سينظر حوله في صمت، ثم يشعر فجأة بأن صاحب هذه الكلمات لم يعد موجودا حقا؟

هل سيؤمن أنني اختفيت بالفعل؟

أن الشخص الذي كان يسهر هذه الليلة ويكتب بحزن خافت، صار الآن مجرد غياب؟

ربما سيشعر بشيء يشبه الحنين لشخص لم يقابله قط.

وربما لن يشعر بأي شيء، سيمر على الكلمات كما تمر الريح فوق العشب، دون أن تترك أثرا.

لا أعرف عماذا يجب أن أكتب في ليلتي الأخيرة هذه.

أشعر أن حياتي كانت مليئة بأشياء صغيرة جدا، لكنها كانت تعني لي العالم كله.

هل أكتب عن الحدائق التي أحب المشي فيها في طنجة؟

عن الأشجار التي كنت ألمس أوراقها كأنني أطمئن على كائن حي يعرفني؟

عن البحر حين يكون رماديا في الشتاء، وعن النوارس التي تبدو أحيانا كأنها رسائل بيضاء ضلت طريقها؟

هل أكتب عن المقاهي التي جلست فيها وحيدا لساعات، أراقب الناس وهم يضحكون، وأتظاهر أنني بخير؟

أم أكتب عن الحب؟

عن تلك الخيبات الصغيرة التي تراكمت داخلي حتى صرت أشعر أن قلبي يشبه بيتا قديما تُرك مفتوحا للبرد؟

أم أتحدث عن الوحدة التي صارت تكبر معي سنة بعد سنة، حتى أصبحت أجلس مع نفسي طويلا وأتكلم بصوت مسموع كأنني ممثل يؤدي مشهده الأخير فوق خشبة فارغة؟

أبلغ الثلاثين الآن، ومع ذلك أشعر أحيانا كأنني رجل عجوز يجر خلفه تعبا لا يراه أحد.

الأطفال وحدهم ينتبهون للحزن الحقيقي.

ينظرون إليك طويلا كأنهم اكتشفوا شيئا تحاول أنت إخفاءه عن العالم.

ربما يجب أن أكتب عن أمي وأبي.

عن البيت الذي أحببته رغم كل شيء.

عن رائحة الطعام في المساء، وعن الأصوات القديمة التي كانت تجعل العالم أكثر أمانا.

عن الخوف الذي يسكنني كلما فكرت أن الزمن يمضي بهم أيضا، وأن الأشياء التي نحبها لا تبقى مهما تشبثنا بها.

أو ربما يجب أن أكتب عن أحلامي.

عن الشخص الذي كنت أريد أن أصبحه ولم أستطع تماما الوصول إليه.

عن الكتب التي تمنيت أن أكتبها، المدن التي أردت السفر إليها، الموسيقى التي كنت أريد سماعها في سيارة قديمة وأنا أعبر طريقا طويلا قرب البحر.

هناك دائما حياة أخرى كانت ممكنة، حياة موازية يعيشها شخص يشبهنا كثيرا لكنه أكثر شجاعة بقليل.

الغريب أنني أشعر أن كل شيء يستحق الكتابة.

الأشياء الجميلة تستحق أن تُخلّد لأنها جميلة، والأشياء المؤلمة تستحق أيضا لأن الألم نفسه شكل من أشكال الحقيقة.

حتى الحزن…

خصوصا الحزن.

فالحزن يجعل الإنسان يرى العالم دون الزينة التي يضعها الناس فوق أرواحهم.

إنني حزين جدا.

حزين بطريقة هادئة ومستمرة، كالمطر الذي لا يتوقف تماما.

أحيانا أتمنى لو أستطيع البكاء لأيام كاملة، أن أفرغ هذا الثقل من صدري، لكنني حتى البكاء لم أعد أجيده.

صرت أرى نفسي كل يوم كأنني شخص يختفي بالتدريج.

ليس موتا مفاجئا، بل تلاشي بطيء…

كصورة قديمة تُترك طويلا تحت الشمس.

أتحدث مع نفسي كثيرا مؤخرا.

أحيانا أمشي في الغرفة وأعيد نفس الجمل وكأنني أتمرن على الاعتراف الأخير.

أشعر كأنني ممثل نسي الجمهور وجوده لكنه يواصل الأداء رغم ذلك.

ورغم كل هذا…

ما زال داخلي شيء صغير يريد الحياة.

شيء خافت جدا، لكنه يقاوم.

ربما لهذا أكتب الآن.

ليس لأنني أريد الموت، بل لأنني أريد أن أجد معنى يجعلني أبقى.

أريد فقط أن أشعر أن وجودي لم يكن عابرا بالكامل، أنني كنت هنا فعلا، أنني أحببت هذا العالم رغم قسوته، وأن العالم مرّ بي أنا أيضا ولو للحظة قصيرة.

ويا للأسف…

كم يبدو الإنسان وحيدا حين يحاول أن يشرح قلبه بالكلمات.

ك.ج 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")