التكرار الذي يأكل الروح
أحيانا أشعر أنني أعيش داخل رأسي أكثر مما أعيش داخل العالم.
كأنني منذ سنوات لم ألمس الأشياء حقا، بل فقط أفكر فيها، أراقبها وهي تمر عبر عقلي ثم تختفي قبل أن تصبح جزءا مني.
حتى مشاعري نفسها لا تبدو ملكي بالكامل، تأتي فجأة، تشتعل فجأة، ثم تنطفئ وكأن أحدا آخر يضغط الأزرار في مكان خفي لا أستطيع الوصول إليه.
أحاول كثيرا أن أفهم نفسي، لكن كلما اقتربت منها شعرت بأنها تبتعد أكثر، كأن ذاتي ليست بيتا أدخله، بل متاهة كل باب فيها يقود إلى باب آخر.
أحيانا أظن أنني فهمت السبب الحقيقي لحزني، ثم أكتشف أن ذلك السبب مجرد قناع لسبب أعمق، وذلك الأعمق ليس إلا ظلا لشيء أكثر غموضا.
لماذا يبدو الإنسان معقدا إلى هذا الحد؟
ولماذا نحمل داخلنا هذا العدد الهائل من الأصوات؟
صوت يريد الحب، وصوت يخاف منه، وصوت يريد الهروب، وصوت آخر يلومنا لأننا نفكر في الهروب.
كأنني لست شخصا واحدا، بل ازدحاما كاملا يعيش داخل جسد واحد.
أخاف من فكرة أن أكون مجرد نسخة تتكرر كل يوم.
أن أستيقظ، أفكر، أقلق، أبتسم قليلا، ثم أعود إلى نفس الدائرة دون أن يتغير شيء حقيقي في داخلي.
كيف يمكن للروح أن تتحمل هذا التكرار دون أن تصاب بالصدأ؟
كيف يمكن لإنسان كان يؤمن بأن الحياة قصيدة مفتوحة أن يجد نفسه فجأة يعيش كآلة تحفظ نفس الحركات؟
أحيانا أنظر إلى الناس فأشعر أنهم يعرفون شيئا لا أعرفه.
يمشون بخفة، يضحكون بسهولة، يدخلون في الحياة دون هذا الثقل الذي أحمله في صدري.
أما أنا فأتعثر حتى في أفكاري.
كل فكرة تتحول إلى سؤال، وكل سؤال يتحول إلى هاوية صغيرة.
أريد فقط أن أصل إلى لحظة صمت داخلي.
لحظة لا أكون فيها مضطرا لتحليل كل شيء.
لا أريد أن أفهم العالم كله، أريد فقط أن أفهم لماذا يبدو قلبي متعبا دائما، رغم أنني لم أعش من الحياة إلا القليل.
أشعر أحيانا أن وعينا لعنة جميلة.
فنحن نرى الأشياء بعمق، لكننا ندفع ثمن ذلك من راحتنا.
كل شيء يصبح أثقل مما ينبغي: الحب، الوقت، الوحدة، وحتى الذكريات الصغيرة التي لا معنى لها عند الآخرين.
والمشكلة أنني لا أستطيع التراجع عن التفكير.
كأن العقل بعد أن يستيقظ تماما لا يعود قادرا على النوم من جديد.
لهذا أتعب.
ليس لأن الحياة صعبة دائما، بل لأن رأسي لا يتوقف عن تحويلها إلى متاهة.
أحيانا أحسد أولئك الذين يعيشون ببساطة.
الذين لا يسألون كثيرا، ولا يفتشون داخل كل شعور عن معنى خفي.
أما أنا فأستهلك نفسي في مراقبة نفسي.
أعيش وكأنني شخص يراقب حياته من الخارج، لا شخص يعيشها فعلا.
وأسوأ ما في الأمر أنني لا أعرف إن كنت أبحث عن الحقيقة فعلا، أم أنني فقط تعلقت بالحزن حتى صار جزءا من طريقتي في رؤية العالم.
لا أعرف إن كان هذا العمق الذي أشعر به نعمة، أم مجرد تعب طويل أخذ شكلا جميلا بالكلمات.
وفي النهاية، لا أظن أنني سأصل إلى تلك اللحظة التي أفهم فيها كل شيء فجأة.
الحياة ليست رواية مرتبة، ولا نحن شخصيات تُمنح تفسيرا واضحا في الصفحة الأخيرة.
ربما سأبقى هكذا لفترة طويلة، أحاول فهم نفسي ثم أضيع مني مرة أخرى.
ربما سأستيقظ غدا بنفس الأسئلة، بنفس الثقل، وبنفس الشعور الغامض بأن هناك شيئا ناقصا داخلي لا أستطيع تسميته.
لكن ما أعرفه حقا، أنني تعبت من مقاومة هذا كله.
تعبت من محاولة إصلاح نفسي كل ليلة، ومن التصرف وكأنني مشروع ناقص يجب أن يكتمل بسرعة.
أحيانا لا أريد حلا، ولا أريد حكمة عميقة، أريد فقط أن يمر يوم واحد دون هذا الضجيج الذي لا يهدأ في رأسي.
وربما هذه هي الحقيقة الوحيدة التي أستطيع قولها بصدق:
أنا لا أفهم نفسي تماما، ولا أفهم الحياة تماما، وكل ما أفعله أنني أحاول أن أتحمل هذا الغموض دون أن أنكسر أكثر.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق