آخر ما نشر كارل!

بين الله وسبينوزا

  هل يمكن أن نكتب الحقيقة ونحن سكارى؟ أم أن السكر مجرد اعتذار رخيص لأن نقول بعد ذلك: "لم أكن أنا من كتب، كان الكأس." لا أدري. والحقيقة أنني لا أثق كثيرًا في الذين يكتبون وهم واعون تمامًا أيضًا؛ فالوعي الكامل يبدو لي حالة مرضية أكثر منه فضيلة. لا بد أن يكون في الكاتب شيء مختل، شيء ناقص، شيء لم يُغلق بابه جيدًا، حتى يتسرب منه الكلام . هل يمكن أن تأتينا الحقيقة ونحن نعيش شكًا عميقًا في أننا كائنات جميلة أصلًا؟ أم أن الحقيقة، مثل موظف حكومي، ترفض أن تقابل أحدًا قبل أن يستكمل جميع الوثائق؟ أحيانًا أشعر أن الحقيقة لا تحب البشر، أو ربما تحب أن تتسلى بهم. تترك الفيلسوف يمضي نصف عمره يعرّفها، ثم تأتي طفلة لتسأل سؤالًا واحدًا فينهار البناء كله كما ينهار بيت من ورق أمام عطسة . لا أدري . لقد اعتدت أن أكون صريحًا في كتاباتي، أو هكذا أحب أن أصدق. لكن حتى هذه الجملة تستحق أن تُعامل بحذر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه ببلاغة تفوق كذبه على الآخرين. كنت أظن أنني أكتب بشاعرية، ثم اكتشفت أن الشعر أحيانًا ليس إلا طريقة أنيقة لإخفاء ارتباكنا. نرتب الكلمات كما يرتب الناس أثاث البيت قبل ...

كذبة أكررها لنفسي

 وحيدًا كالقمر بين النجوم

لكن قمري لا يضيء
ولا أحد يرفع رأسه ليراه

وحيدًا…
كأنني ظلٌّ نسيه صاحبه
يمشي… ولا يعرف إلى أين

أجلس في زاوية الليل
أراقب الوجوه
وجوهٌ تضحك
وأيادٍ تتشابك
وأصواتٌ تعلو بالفرح
كأن العالم اتفق أن يكون سعيدًا… إلا أنا

أراهم يقتربون من بعضهم
كأن الدفء سهل
كأن القلوب لا تخون
كأن الحب لا يخذل أحدًا

وأنا…
أمد يدي للهواء
فلا أجد سوى الفراغ

أشغل أغنية لـ الشاب خالد
صوته ينساب كجرح قديم
كأنه يعرفني
كأنه يغني لي وحدي

أحاول أن أتمايل مع اللحن
أن أضحك قليلًا
أن أخدع نفسي
أن أكون مثلهم… ولو لدقائق

أكتب كلمات لا يفهمها أحد
حتى أنا… أحيانًا لا أفهمها
لكنني أكتب
لأن الصمت أثقل من أن يُحتمل

أحلم…
أحلم أنني أركض نحو شيء جميل
أن هناك من ينتظرني
أن هناك من يعرف اسمي
ويقول لي: تعال… لقد تأخرت

أفتح عيني…
فأجد الكرسي نفسه
والطاولة نفسها
والوحدة نفسها

أحاول أن أقنع نفسي
أنني بخير
أن هذا مجرد يوم عابر
أن الغد سيحمل شيئًا مختلفًا

لكن صوتًا خافتًا داخلي
يهمس:
كم مرة قلت هذا من قبل؟

تنتهي قنينة الجعة
بهدوء… كأنها تشاركني التعب
أنادي على كريمة
بصوتٍ لا يحمل رغبة… فقط عادة

تأتي بزجاجة أخرى
وأبتسم…
ابتسامة لا تصل إلى وجهي

أشرب
كأنني أبتلع الوقت
كأنني أحاول أن أغرق فكرة واحدة
لا تريد أن تموت

أشعل سيجارة
الدخان يصعد ببطء
وأتبعه بعيني
كأنه جزء مني يغادر
ولا يعود

أتنفس…
لكنني لا أشعر أنني حي

وحيدًا…
أبني عالمًا صغيرًا داخل رأسي
فيه أنا سعيد
فيه أضحك بصدق
فيه لا أخاف
فيه لا أنتظر أحدًا

أعيش هناك… قليلًا
ثم ينهار كل شيء
وأعود

أعود إلى نفسي
إلى هذا الجسد
إلى هذا الليل الطويل

أنتظر…
لا أعرف ماذا أنتظر
ربما معجزة صغيرة
ربما رسالة
ربما يد تمتد نحوي
دون أن أطلبها

أقول لنفسي:
الليلة القادمة ستكون أفضل

أكررها…
كما يكرر طفلٌ كذبةً
حتى يصدقها

وبين رشفة وأخرى
وبين نفسٍ وآخر
بدأت أفهم شيئًا بسيطًا…
ومؤلمًا

أنني لم أخطئ حين اخترت الحب
لكنني أخطأت…
حين ظننت أن الحب سيختارني أيضًا

وها أنا
بين نجومٍ لا تعرفني
وقمرٍ لا يضيء
أتعلم…
كيف يعيش الإنسان
حين لا يكون له مكان في قلب أحد


ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")