آخر ما نشر كارل!

بين سيجارة وفكرة

  ربما حين أجلس لأكتب، لا أفعل شيئًا عظيمًا كما كنت أتخيل. لا أواجه العالم، ولا أواجه نفسي حتى. ربما كل ما أفعله هو أن أرتب الفوضى قليلًا، كعامل نظافة يصل متأخرًا إلى موقع حادثة، فيجمع الشظايا في زاوية مرتبة ثم يعود إلى بيته مطمئنًا لأنه أنجز شيئًا. كنت أظن أن الكتابة ستغيرني. كنت أظن أن الإنسان إذا وصف جراحه بما يكفي، فإنها ستلتئم خجلًا من وضوحها. لكن الجراح لا تقرأ ما نكتب. أكتب عن التدخين، ثم أدخن. أكتب عن الإفراط في الشرب، ثم أجد نفسي أساوم كأسًا أخرى كأننا لم نتحدث في الموضوع أصلًا. أكتب عن الوقت الضائع، ثم أضيع وقتًا أطول في الكتابة عن الوقت الضائع. والمضحك أنني صرت جيدًا جدًا في وصف فشلي. ربما أفضل من نجاحي نفسه. أستطيع أن أشرح لك بدقة لماذا أنا متعب، ولماذا أنا قلق، ولماذا أنا عالق في المكان نفسه منذ سنوات، لكنني أعجز عن اتخاذ قرار صغير يجعل يوم الغد أخف من يوم الأمس. أحيانًا أشعر أنني لا أعيش حياتي، بل أعيش النسخة المكتوبة منها. أن الحدث الحقيقي أقل أهمية عندي من الفقرة التي سأكتبه بها مساءً. أنني صرت أجمع التجارب كما يجمع طفل طوابع البريد، لا ليستفيد منها، بل ليضيفها إلى ...

كذبة أكررها لنفسي

 وحيدًا كالقمر بين النجوم

لكن قمري لا يضيء
ولا أحد يرفع رأسه ليراه

وحيدًا…
كأنني ظلٌّ نسيه صاحبه
يمشي… ولا يعرف إلى أين

أجلس في زاوية الليل
أراقب الوجوه
وجوهٌ تضحك
وأيادٍ تتشابك
وأصواتٌ تعلو بالفرح
كأن العالم اتفق أن يكون سعيدًا… إلا أنا

أراهم يقتربون من بعضهم
كأن الدفء سهل
كأن القلوب لا تخون
كأن الحب لا يخذل أحدًا

وأنا…
أمد يدي للهواء
فلا أجد سوى الفراغ

أشغل أغنية لـ الشاب خالد
صوته ينساب كجرح قديم
كأنه يعرفني
كأنه يغني لي وحدي

أحاول أن أتمايل مع اللحن
أن أضحك قليلًا
أن أخدع نفسي
أن أكون مثلهم… ولو لدقائق

أكتب كلمات لا يفهمها أحد
حتى أنا… أحيانًا لا أفهمها
لكنني أكتب
لأن الصمت أثقل من أن يُحتمل

أحلم…
أحلم أنني أركض نحو شيء جميل
أن هناك من ينتظرني
أن هناك من يعرف اسمي
ويقول لي: تعال… لقد تأخرت

أفتح عيني…
فأجد الكرسي نفسه
والطاولة نفسها
والوحدة نفسها

أحاول أن أقنع نفسي
أنني بخير
أن هذا مجرد يوم عابر
أن الغد سيحمل شيئًا مختلفًا

لكن صوتًا خافتًا داخلي
يهمس:
كم مرة قلت هذا من قبل؟

تنتهي قنينة الجعة
بهدوء… كأنها تشاركني التعب
أنادي على كريمة
بصوتٍ لا يحمل رغبة… فقط عادة

تأتي بزجاجة أخرى
وأبتسم…
ابتسامة لا تصل إلى وجهي

أشرب
كأنني أبتلع الوقت
كأنني أحاول أن أغرق فكرة واحدة
لا تريد أن تموت

أشعل سيجارة
الدخان يصعد ببطء
وأتبعه بعيني
كأنه جزء مني يغادر
ولا يعود

أتنفس…
لكنني لا أشعر أنني حي

وحيدًا…
أبني عالمًا صغيرًا داخل رأسي
فيه أنا سعيد
فيه أضحك بصدق
فيه لا أخاف
فيه لا أنتظر أحدًا

أعيش هناك… قليلًا
ثم ينهار كل شيء
وأعود

أعود إلى نفسي
إلى هذا الجسد
إلى هذا الليل الطويل

أنتظر…
لا أعرف ماذا أنتظر
ربما معجزة صغيرة
ربما رسالة
ربما يد تمتد نحوي
دون أن أطلبها

أقول لنفسي:
الليلة القادمة ستكون أفضل

أكررها…
كما يكرر طفلٌ كذبةً
حتى يصدقها

وبين رشفة وأخرى
وبين نفسٍ وآخر
بدأت أفهم شيئًا بسيطًا…
ومؤلمًا

أنني لم أخطئ حين اخترت الحب
لكنني أخطأت…
حين ظننت أن الحب سيختارني أيضًا

وها أنا
بين نجومٍ لا تعرفني
وقمرٍ لا يضيء
أتعلم…
كيف يعيش الإنسان
حين لا يكون له مكان في قلب أحد


ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")