اعتراف رجل لم يتقن القسوة
اعتقدتُ طويلًا أن الحب يكفي.
ليس لأنني ساذج، بل لأنني كنت أظن أن الصدق فضيلة كافية لبناء أي شيء. كنت أظن أن العائلة تُبنى بالنية الحسنة، وبالرغبة في ألا نؤذي أحدًا. لاحقًا فقط فهمت أن العالم لا يعمل هكذا، وأن ما يُطلب منك ليس أن تحب، بل أن تفرض، أن تتحمّل، وأحيانًا أن تؤذي دون أن تُسمّي ما تفعله عنفًا.
اكتشفت أن الرجل، لكي يُعترف به، لا يكفي أن
يكون طيبًا. عليه أن يكون قادرًا على القسوة عند الحاجة، أو على الأقل على
ادّعائها. أن يكون ابن بيئته، لا ابن قلبه. وهذا الاكتشاف لم يأتِ كصدمة مفاجئة،
بل كتراكم بطيء، كإحساس خفي بأنني دائمًا متأخر خطوة عن الآخرين.
أصدقائي لم يشبهوني. لم يتوقفوا كثيرًا عند
الأسئلة التي أرهقتني. لم يبحثوا عن جوهر الأشياء، ولم يسألوا أنفسهم إن كانوا
يخونون شيئًا في داخلهم. هم فقط فعلوا، وتقدّموا، وبنوا حياة كاملة من الخارج.
وحين أنظر إليهم الآن، لا أستطيع أن أقول إنهم مخطئون، لأن حياتهم تعمل، بينما أنا
ما زلت أراجع المعنى.
حين حاولت أن أنصح أخي، لم أكن أعلّمه، كنت
أكلّم نفسي بصوته. قلت له إن عليه ألا يصبح إنسانًا بلا قلب ولا روح، لكنني في
الوقت نفسه كنت أعرف أن القلب وحده لا يحميك. كنت أطلب منه ألا يكره العالم، وألا
يبرّر ضعفه باسم القيم، وأن يتعلّم كيف يأخذ نصيبه دون أن يتحوّل إلى شخص لا يعرفه
حين ينظر في المرآة.
أنا لست ضد ما يفعله الناس، ولا أعتقد أنني
أفضل منهم. كل ما في الأمر أنني، في أعماقي، لا أجد أي راحة في الكذب. حتى الكذب
الصغير الذي يجعل الحياة أسهل يخنقني ببطء. أشعر دائمًا أنني إن فعلت ما لا
يشبهني، سأربح شيئًا وأخسر نفسي، ولا أحد يخبرك كيف تعوّض هذه الخسارة.
أحاول في كل ما أكتبه أن أقول الحقيقة كما هي،
لا كما يجب أن تكون. أكتب لأن الكلام في الحياة اليومية لا يتّسع لما أشعر به.
أكتب لأنني لا أجيد العيش بلا أسئلة، ولا أعرف كيف أكون شخصًا آخر فقط لكي أنتمي.
ولا أدري حقًا إن كنت قد نجحت.
لا أدري إن كانت هذه الصراحة ستقودني إلى شيء، أم أنها مجرد طريقة أكثر أناقة للتعب. لكنني أعرف أمرًا واحدًا: لو كذبت، لو تصرّفت عكس ما أنا عليه، ربما كنت سأعيش أسهل…
لكنني لم أكن سأعيش بصدق.
ليس لأنني ساذج، بل لأنني كنت أظن أن الصدق فضيلة كافية لبناء أي شيء. كنت أظن أن العائلة تُبنى بالنية الحسنة، وبالرغبة في ألا نؤذي أحدًا. لاحقًا فقط فهمت أن العالم لا يعمل هكذا، وأن ما يُطلب منك ليس أن تحب، بل أن تفرض، أن تتحمّل، وأحيانًا أن تؤذي دون أن تُسمّي ما تفعله عنفًا.
لا أدري إن كانت هذه الصراحة ستقودني إلى شيء، أم أنها مجرد طريقة أكثر أناقة للتعب. لكنني أعرف أمرًا واحدًا: لو كذبت، لو تصرّفت عكس ما أنا عليه، ربما كنت سأعيش أسهل…
لكنني لم أكن سأعيش بصدق.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق