الإنسان كملف إداري
لا أعتقد أن الكتابة قادرة على كشف أسرار النفس البشرية، ولا أظن أن الفن، بصفة عامة، نجح يومًا عبر التاريخ في أن يقول كل ما يجري حقًا في روح الإنسان وفكره.
ومع ذلك، تبقى
محاولة التعبير فعلًا شريفًا، وربما الفعل الوحيد المتاح. أمام ضغط الحياة
الاجتماعية، وأمام تراكمات الخيبات والعُقد الصامتة، لا يملك الفرد سوى أن يحاول…
أن يكتب، حتى وهو يعلم أن الكلمات ستظل ناقصة، قاصرة، ومتعثّرة.
أفكر في أشياء
كثيرة، بصدق مُرهِق، ولا أعرف كيف يمكن للكلام أن يُغزَل حين تكون الأزمة أثقل من
أي تعبير مباشر، أثقل من أي اعتراف صريح. هناك أشياء تُعاش أكثر مما تُقال.
أؤمن بأن البشر
هشّون. وأؤمن أيضًا بأن كل إنسان، مهما كان قريبًا أو عزيزًا، يظل كائنًا آخر،
غريبًا في هذا الوجود، يحمل مخاوفه ورغباته وأولوياته الخاصة. أحيانًا، ذلك الصدق
الذي نمنحه لبعضنا لا يخلق قربًا، بل يولّد نوعًا من العنف الخفي، خاصة تجاه فئة
بعينها: العاطفيون جدًا، الانطوائيون، أولئك الذين ما في قلوبهم يظهر على ألسنتهم
دون حماية. وأرى نفسي واحدًا منهم.
أنظر إلى هذا
العالم وأتعجّب. يمضي بلا سؤال، بلا شك، بلا لحظة يتأمل فيها ذاته: هل نحن بخير؟
هل نسير في سلام؟ وهل هذا التقدّم الذي نحتفي به لا يسحق أجزاءً من البشر في
طريقه؟
ويستقر في
داخلي حزن عميق، لأنني أرى… ولا أستطيع أن أغيّر. أحيانًا أشعر بعنف يجري في
داخلي، بألم بلا شكل، بلا لغة، كأنه إحساس يرفض أن يُسمّى.
العالم الذي
نعيش فيه اليوم لا يكترث إلا لمن يستطيع أن يشتري، أو أن يضمن لنفسه أمانًا
ماديًا. لا أرى فيه مكانًا واسعًا لفكرة أن تعيش بصدق، كما أنت، بلا تبرير دائم
لوجودك.
مثال بسيط،
وربما فادح في بساطته: حاولت أن أغيّر منزلي، أن أبحث عن مكان جديد أعيش فيه.
التقيت بأشخاص لديهم عروض، لكنني شعرت أنهم لا يرونني كإنسان، بل كملف: هل أملك
المال؟ هل أعمل؟ أين أعمل؟ كم أكسب؟
كأن عليّ أن
أعرّي حياتي الخاصة بالكامل لأشخاص لا يكترثون بها أصلًا، بل يهتمون فقط بالرقم
الذي يضمن لهم أن يأخذوا المال كاملًا. وحين أحاول أن أتحدث عن معنى المكان، عن
فلسفة العيش، عمّا أحب وما أبحث عنه… يصبح المال هو اللغة الوحيدة المفهومة.
أشعر أحيانًا
أن حياتي كلها تختزل في أرقام. كلما كبرت، صار لي الحق في الأفضل. وحتى حين أملك
ما يكفي، يظل مظهري، غياب السيارة، أو لباس لا يوحي بالثراء، سببًا إضافيًا لأن
أُعامَل كخيار أقل.
لا أدري إن كان
هذا المثال يوضّح تمامًا ما أحاول قوله. لكنني، على أي حال، أحاول. أحاول أن أشارك
هذا الشعور مع أولئك الذين يُشبهونني، والذين يتألمون لأنهم يريدون فقط شيئًا
واحدًا: أن يعيشوا بصدق، في عالم لا يعترف إلا بما يمكن تسعيره.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق