طنجة… والذين لا يصلون
مهما انتظرتُ ما أحبّ لحياتي، يبدو لي، وبكل
صدق خالص، أنه لن يأتي.
ليس لأنني لم أحلم، ولا لأنني لم أُعطِ الانتظار حقّه، بل لأنني تعبت من الوقوف في المكان نفسه، أراقب الأيام وهي تمرّ دون أن تحمل معها ما وعدت به نفسي.
أعيش في طنجة، مدينة تبدو من بعيد كأنها مفتوحة
على كل الاحتمالات، لكنها من الداخل تُشبه متاهة هادئة.
أيّامي لا تتعدّى شوارع في قلب المدينة: أرصفة
أعرف تشقّقاتها، مقاهٍ أجلس فيها طويلًا دون سبب واضح، وزوايا أعود إليها كأنني
أبحث عن شيء نسيته هناك.
أمشي كثيرًا، لا لأن لديّ وجهة، بل لأن الحركة
تُخفّف ثقل التفكير.
أنا بعيد عن عائلتي، البعيدة أصلًا عن هذا
الإيقاع كلّه.
هم في فجيج، في الجنوب الشرقي، حيث الحياة
أبسط، وأقل ضجيجًا، وأكثر صدقًا.
هناك، لكل شيء معنى واضح: البيت بيت، والناس
ناس، والوقت لا يركض.
أما هنا، في طنجة، فأشعر أحيانًا أنني أعيش
حياة ليست لي بالكامل، كأنني ضيف طويل الإقامة.
لا أعرف ما الذي يدفعني، في لحظات أكون فيها
بعيدًا عن الهدوء، عن الفضيلة كما يحبّ الناس تسميتها، عن ضبط النفس، أن أفتح
حاسوبي وأكتب.
كأن الكتابة لا تزورني إلا حين أفشل في أن أكون
كما يجب.
حين أكتشف أنني مهما حاولت الهروب داخل رغباتي،
أو التظاهر بأنني قوي، أعود في النهاية إلى هذا الصراع الداخلي الذي لا يهدأ.
في النهار، أعجز عن التعبير.
الضوء قاسٍ.
يجعل كل شيء واضحًا أكثر مما أحتمل، ويجعلني
أختصر نفسي في جمل مهذّبة، وفي صمتٍ مقبول اجتماعيًا.
أما في الليل، حين تهدأ المدينة قليلًا، وحين
لا يراقبني أحد، أكتب.
لا لأصنع نصًا، بل لأتخلّص من شيء يتراكم في
صدري.
لديّ صديق يعيش في مدينة قريبة.
أشعر أنه الأقرب إليّ، أو على الأقل كان كذلك.
أتحدث معه بصدق، أقول له ما أراه في الحياة،
بسوادها، بثقلها، بخيباتها المتكرّرة.
لكنني ألاحظ أنه حين أكون صريحًا أكثر من
اللازم، يبتعد.
يختفي أيامًا، كأن كلماتي تُثقله، أو تضعه أمام
أشياء لا يريد رؤيتها.
وأتساءل كثيرًا:
هل الصدق قسوة؟
وهل عليّ أن أُخفّف من حِدّتي كي لا أخسر من أحب؟
في تسجيلاتي، وفي وحدتي، واجهتُ نفسي.
رأيت حقيقتها دون تزيين.
فهمت أن الحياة ليست عادلة كما نتمنّى، وأن
النوايا الطيبة لا تحمينا دائمًا من الخذلان.
هذا الفهم لم يمنحني سلامًا، لكنه منحني وعيًا
مؤلمًا.
أما الحب…
فهو الجرح الذي لا يهدأ.
أنتظرها، رغم أنها الآن في مكان آخر، مع رجل
آخر.
أنتظرها دون اتفاق، ودون وعد، ودون أفق واضح.
أحيانًا تراسلني، تخبرني أنني إنسان طيب، أن
قلبي نقي، أنني أستحق الأفضل.
أقرأ كلماتها وأشعر بالامتنان… ثم بالفراغ.
لأنها لا تقول ما أنتظره.
لا تقول إنها تشتاق.
لا تقول إنها تريد أن تكون بجانبي.
وكأن طيبتي صارت مكانًا آمنًا تعود إليه
بالكلمات فقط، لا بالحضور.
أبقى معلّقًا بين الأمل والاستسلام.
بين رغبتي في أن أصدق أن كل شيء ممكن، ومعرفتي
العميقة بأن بعض الانتظارات لا تُكافَأ.
الحب أنهكني.
والغربة أنهكتني.
والمدينة، رغم جمالها، لم تعلّمني كيف أستقر.
أشعر أحيانًا أنني صرت مجرد بيتٍ من قصيدة
أطلال.
لا أحد يسكنني، لكنني ما زلت قائمًا.
كأنني متُّ في الداخل، وما أكتبه ليس إلا
محاولة لتزيين هذا الغياب بالكلمات.
وأتساءل:
هل ما أفعله جيّد؟
هل هذا هو سرّ الكتابة فعلًا؟
أن نكتب بلا تفكير في الحدود، وبلا حساب لكرامتنا أمام القرّاء؟
أم أن في هذا انكشافًا أكثر مما ينبغي؟
لا أعرف.
كل ما أعرفه أنني حين لا أكتب، أختنق.
وحين أكتب، أشعر بأنني أتنفّس قليلًا، ولو عبر
الألم.
ربما الكتابة ليست خلاصًا.
لكنها الشيء الوحيد الذي لم يخذلني تمامًا.
هي محاولتي الأخيرة لأبقى حاضرًا في هذا
العالم،
لأقول:
أنا هنا…
أنتظر، أتألم، أشتاق، وأحاول أن أفهم.
ليس لأنني لم أحلم، ولا لأنني لم أُعطِ الانتظار حقّه، بل لأنني تعبت من الوقوف في المكان نفسه، أراقب الأيام وهي تمرّ دون أن تحمل معها ما وعدت به نفسي.
وهل عليّ أن أُخفّف من حِدّتي كي لا أخسر من أحب؟
هل هذا هو سرّ الكتابة فعلًا؟
أن نكتب بلا تفكير في الحدود، وبلا حساب لكرامتنا أمام القرّاء؟
أم أن في هذا انكشافًا أكثر مما ينبغي؟
لأقول:
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق