محاولة لفهم الهشاشة...

 كنتُ متردّدًا أن أكتب اليوم، لا لأنّ الكلمات خانتني، بل لأنّها ازدحمت في داخلي حتى صارت عبئًا. ومع ذلك كتبت، كأنّ الكتابة فعل اعتراف أخير، أو كأنّها محاولة بطيئة لإنقاذ شيءٍ ما في داخلي لم يمت بعد. الأيام الأخيرة مرّت عليّ متشابهة إلى حدٍّ مخيف، متلاصقة كظلالٍ بلا ملامح، حتى كدتُ أصدّق أنّ الزمن توقّف عند نقطة واحدة، وأنّني عالق داخلها، أكرّر الشعور نفسه، والتعب نفسه، والأسئلة نفسها، دون أن أصل إلى إجابة.

شيئًا فشيئًا، بدأتُ أشعر أنّني وصلت إلى قاعٍ لا يشبه القيعان التي نسمع عنها. ليس قاع الفشل الواضح، ولا قاع الانكسار الصاخب، بل قاعٌ صامت، ثقيل، يبتلعك بهدوء. قاع الضعف حين لا يعود للضعف معنى، وحين أعجز عن أن أفهم نفسي بطريقة مختلفة، أقلّ قسوة، أقلّ جلدًا. كأنّني حُبست داخل تفسيرٍ واحد لذاتي، تفسيرٍ لا يرحم، ولا يترك مساحة للتأويل أو الاحتمال.

غلبتني مشاعري وأفكاري معًا، فلا أنا استطعت أن أهرب منها، ولا هي تركتني أتنفّس. صرت أرى نفسي مشهدًا مكرّرًا لكل ما حدث البارحة: ما أقلقني لا يزال يقلقني، وكأنّ القلق فقد ذاكرته، يعيد نفسه بلا ملل. ما يخيفني ما زال يخيفني، واقفًا في المكان ذاته، لا يقترب ولا يبتعد. وما كان يدفعني للحياة لا يزال يدفعني، نعم، لكن دون اتجاه، دون أرض أضع عليها قدمي. هناك دافع، لكن لا حركة. هناك رغبة، لكن لا قدرة. أنا حيّ من الداخل، لكنّني مشلول من الخارج.

كم مرّة نمت، وكم مرّة استيقظت من كابوسٍ حادّ، شعورٌ خانق بأنّني كنت على وشك أن أفقد نفسي في لحظة، ثم عدت منها فجأة، لا كمنتصر، بل كناجٍ مرهق. كأنّ الرعب شيءٌ واعٍ، يحوم حول روحي، يختبر هشاشتي، يذكّرني بحدودي. لا أراه، لكنّي أشعر به في صدري، في تسارع أنفاسي، في تلك اللحظة القصيرة بين النوم والاستيقاظ حيث لا أعرف إن كنت ما زلت أنا.

أنا حائر، ومتعب من محاولة الشرح، متعب من أن أُجبر نفسي على الكتابة لوصف هذا الكمّ الهائل من الضغط، كأنّني مطالب بتبرير ألمي حتى لنفسي. أحيانًا أشعر أنّ اللغة تخونني، وأحيانًا أشعر أنّها الوحيدة التي لا تزال تصغي. أكتب، ثم أتوقّف، ثم أعود، كمن يضع يده على جرحه ليتأكد أنّه ما زال ينزف.

وحين أحاول أن أهدأ، أن أبطئ إيقاع هذا الضجيج الداخلي، أن أركّز على ما أحب، أجد أنّ كل ما أحب بعيد عنّي بطريقة موجعة. ليس بعيدًا في المكان، بل بعيدًا في الإحساس. الأشياء التي كانت تمنحني معنى صارت صامتة، لا ترفضني، لكنّها لا تستجيب. لا أجد في أحضاني إلا قبولًا مُرًّا: أن أعترف بأنّني انهزمت، لا أمام الناس، ولا أمام الظروف، بل أمام الصورة الصادقة التي أردتها لنفسي بصدق. تلك الصورة التي آمنت فيها بأن أكون محترمًا، لطيفًا، حريصًا على الآخر، مؤمنًا بأنّ الفهم أسمى من القسوة.

كلّ تلك الأخلاق، وكلّ تلك الفلسفة التي حملتها كقيمة عليا، وجدتُها اليوم وقد قادتني، على نحوٍ ساخر، إلى حالة وجود لا أرى فيها إلا الحضيض. كأنّ اللطف حين لا يجد عالمًا يلتقطه يتحوّل إلى عبء، وكأنّ الحساسية حين لا تُحتضن تصبح سكينًا بطيئة. لم أندم على كوني كذلك، لكنّني تعبت من ثمنه.

إنّني متعب، ونادم، وفي روحي ثورة كبيرة، ثورة لا تريد الخراب، بل تريد الفهم، تريد المعنى، تريد أن تصرخ: هذا ليس كل شيء. لكنّ هذه الثورة تقف اليوم أمام صدمة أكبر: أنّ طبيعة الحياة ليست كما تخيّلناها ونحن نرسم لها معنى أخلاقيًا نقيًا. الحياة لا تعتذر، ولا تشرح نفسها. هي تمضي، ونحن نحاول أن نلحق بها بما نملك من هشاشة.

وأمام هذه الحقيقة، أجدني مضطرًا لأن أقبل أمرًا ثقيلًا: أنا لستُ إلهًا. لستُ قادرًا على إصلاح كل شيء، ولا على إنقاذ الجميع، ولا حتى على إنقاذ نفسي في كل مرّة. أنا إنسان، محدود، يتعثّر، ويخاف، ويخطئ، ويواصل رغم ذلك. وربّما، في هذا الاعتراف وحده، تكمن بذرة صغيرة لشيءٍ ما… ليس خلاصًا كاملًا، ولا طمأنينة نهائية، بل مجرّد قدرة خافتة على أن أعيش الغد، وأنا أقلّ قسوة على نفسي، ولو بدرجة واحدة.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")