آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

قنينة الدار البيضاء وحلم تونس

تونس ضد نيجيرياالمباراة مستمرة، الكرة تتحرك، الأصوات تتعالى ثم تخفت، وأنا جالس في مكان دافئ ومحرم، في قلب شمال المغرب، كأن الجغرافيا قررت هذه الليلة أن تكون لطيفة معي.

الدفء لا يأتي من المكان فقط، بل من فكرة أن لا أحد يطالبني الآن بأي تفسيرأحتسي قنينة مكتوب عليها «الدار البيضاء»، أقرأ الاسم أكثر مما أحتسي السائل، كأن الكلمات نفسها تُروى.

جسدي هنا، لكن بالي في الرباطمدينة أعرفها دون أن أعرف لماذا تعلّق بها ذهني، ربما لأنها تشبهنيهادئة من الخارج، مثقلة من الداخل، تحب النظام لكنها لا تنجو من الفوضى.

وفي القلب، حلم صغير، غير صاخب، غير متطلب، حلم أن أزور تونس يومًا ما.

أحب تونس، ليس لأنها بلد آخر فقط، بل لأنها ارتبطت عندي بتجربة إنسانية صادقةعلاء الدين، صديقي العزيز من صفاقس، لم يكن مجرد شخص تعرّفت عليه، كان مرآة مؤقتة لنفسي.

معه تعلمت كيف تُبنى الفرص عبر الإنترنت، لكنني في الحقيقة تعلمت أشياء أعمق:
كيف يكون الذكاء أخلاقيًا، كيف لا تكون السرعة فضيلة دائمًا، وكيف أن بناء شيء ببطء أفضل من الركض خلف لا شيء.

عشت يومًا غريب الأطوار.  وأنا أحب هذا الوصفكل يوم جديد هو يوم حظ، لكن ليس الحظ كما نفهمه عادة،

بل ذلك التوازن المرهق بين ما يُنقذك قليلًا وما يكسرك قليلًا.

لم أصل إلى خلاصةولا أظن أنني اقتربت منها حتىمن أنا؟ ماذا يجب أن أكون؟ أسئلة تتكرر حتى تفقد حدّتها لكن لا تفقد ثقلها.

ليلة بلا نوم، مدياع يثرثر، دخان يتصاعد ببطء، وأفكار لا تعرف كيف تصطف.
أسأل نفسيمن هو حكيم؟ هل هو الاسم فقط؟
أم نسخة لم أصل إليها بعد؟ 
كيف مرّت ثلاثون سنة؟

كيف عبر هذا العمر دون أن يترك لي تعريفًا واضحًا؟
الناس في عمري لهم أطفال، لهم قصص تبدأ بكلمات مثل:
«
مسؤولية»، «استقرار»، «مستقبل». 
أما أنا، فلا زلت أختنق بأسئلة البداية.

لا أعرف كيف أتصرف، ولا أي خطوة تستحق المجازفة،
ولا إن كنت متأخرًا أم فقط أسير طريقًا أطول من اللازم
كنت مؤمنًا بالحب، وما زلتبالوفاء، وبأن الصداقة تستحق التضحيةقررت في شبابي أن أتنازل، أن أُخفف من أنانيتي، أن أختار القيم بدل المكاسب السريعة.

لكن العالم… العالم لم يكن رقيقًا كما توقعتكان قاسيًا، عنيفًا أحيانًا، ويجيد إخفاء قسوته تحت شعارات الحياة العادلة وحرية الاختيار.

اكتشفت أن الاختيار غالبًا ليس حرًا كما نحب أن نصدّق،
وأن العدالة فكرة جميلة لكنها نادرة الحدوث.

لا أدريربما المشكلة ليست في العالم فقط، وربما ليست فيّ وحديربما الحياة نفسها لا تملك جوهرًا واضحًا
كما نبحث عنه بإصرار.

المباراة مستمرة، والمعلّق الصوتي بنبرته التونسية
يُدخلني في حالة غريبة من الانتشاء.
لهجة تحمل خفة وصدقًا، تجعلني أبتسم دون سبب مباشر...
أفكر، مرة أخرى، أن أذهب إلى تونسلا لسبب عظيم، ولا لمشروع كبير، فقط لأمشي هناك، أن أكون غريبًا دون ضغط، أن أجلس في مقهى ولا أشرح نفسي لأحد.

ربما هناك، سأشعر أن بالي أخف، حتى لو لم أجد الإجابة.

 ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")