قنينة الدار البيضاء وحلم تونس
تونس ضد نيجيريا. المباراة مستمرة، الكرة تتحرك، الأصوات تتعالى ثم تخفت، وأنا جالس في مكان دافئ ومحرم، في قلب شمال المغرب، كأن الجغرافيا قررت هذه الليلة أن تكون لطيفة معي.
الدفء لا يأتي
من المكان فقط، بل من فكرة أن
لا أحد يطالبني الآن بأي تفسير. أحتسي قنينة
مكتوب عليها «الدار البيضاء»، أقرأ الاسم
أكثر مما أحتسي السائل، كأن الكلمات
نفسها تُروى.
جسدي هنا، لكن بالي في
الرباط. مدينة أعرفها
دون أن أعرف لماذا تعلّق بها ذهني، ربما لأنها
تشبهني: هادئة من
الخارج، مثقلة من
الداخل، تحب النظام
لكنها لا تنجو من الفوضى.
وفي القلب، حلم صغير، غير صاخب، غير متطلب، حلم أن أزور
تونس يومًا ما.
أحب تونس، ليس لأنها بلد
آخر فقط، بل لأنها
ارتبطت عندي بتجربة إنسانية صادقة. علاء الدين،
صديقي العزيز من صفاقس، لم يكن مجرد
شخص تعرّفت عليه، كان مرآة مؤقتة
لنفسي.
معه تعلمت كيف
تُبنى الفرص عبر الإنترنت، لكنني في
الحقيقة تعلمت أشياء أعمق:
كيف يكون
الذكاء أخلاقيًا، كيف لا تكون
السرعة فضيلة دائمًا، وكيف أن بناء
شيء ببطء أفضل من الركض
خلف لا شيء.
عشت يومًا غريب الأطوار. وأنا أحب هذا الوصف. كل يوم جديد هو يوم حظ، لكن ليس الحظ كما نفهمه عادة،
بل ذلك التوازن المرهق بين ما يُنقذك قليلًا وما يكسرك قليلًا.
لم أصل إلى
خلاصة. ولا أظن أنني
اقتربت منها حتى. من أنا؟ ماذا يجب أن
أكون؟ أسئلة تتكرر
حتى تفقد حدّتها لكن لا تفقد
ثقلها.
ليلة بلا نوم، مدياع يثرثر، دخان يتصاعد
ببطء، وأفكار لا تعرف
كيف تصطف.
أسأل نفسي: من هو حكيم؟ هل هو الاسم
فقط؟
أم نسخة لم أصل
إليها بعد؟ كيف مرّت
ثلاثون سنة؟
كيف عبر هذا
العمر دون أن يترك لي تعريفًا واضحًا؟
الناس في عمري لهم أطفال، لهم قصص تبدأ
بكلمات مثل:
«مسؤولية»،
«استقرار»، «مستقبل». أما أنا، فلا زلت أختنق
بأسئلة البداية.
لا أعرف كيف
أتصرف، ولا أي خطوة
تستحق المجازفة،
ولا إن كنت
متأخرًا أم فقط أسير
طريقًا أطول من اللازم. كنت مؤمنًا
بالحب، وما زلت. بالوفاء، وبأن الصداقة
تستحق التضحية. قررت في شبابي
أن أتنازل، أن أُخفف من
أنانيتي، أن أختار القيم
بدل المكاسب السريعة.
لكن العالم… العالم لم يكن
رقيقًا كما توقعت. كان قاسيًا، عنيفًا
أحيانًا، ويجيد إخفاء
قسوته تحت شعارات
الحياة العادلة وحرية الاختيار.
اكتشفت أن
الاختيار غالبًا ليس حرًا كما
نحب أن نصدّق،
وأن العدالة
فكرة جميلة لكنها نادرة
الحدوث.
لا أدري. ربما المشكلة
ليست في العالم فقط، وربما ليست فيّ
وحدي. ربما الحياة
نفسها لا تملك جوهرًا
واضحًا
كما نبحث عنه
بإصرار.
المباراة
مستمرة، والمعلّق
الصوتي بنبرته
التونسية
يُدخلني في
حالة غريبة من الانتشاء.
لهجة تحمل خفة
وصدقًا، تجعلني أبتسم
دون سبب مباشر...أفكر، مرة أخرى، أن أذهب إلى
تونس. لا لسبب عظيم، ولا لمشروع
كبير، فقط لأمشي
هناك، أن أكون غريبًا
دون ضغط، أن أجلس في
مقهى ولا أشرح نفسي
لأحد.
ربما هناك، سأشعر أن بالي
أخف، حتى لو لم أجد
الإجابة.
تعليقات
إرسال تعليق