آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل : بين الأشجار

  المكان: حديقة هادئة عند آخر النهار. تمتد الأشجار على جانبي الممر، وتتحرك أغصانها مع ريح خفيفة. يجلس مارتن على مقعد خشبي، بينما يقف كارل غير بعيد عنه، يراقب الأطفال وهم يركضون بين الأشجار. كارل: يا مارتن، أحب أن أستريح. أحب أن أجري بين الأشجار وأمرح بأيامي، دون أن أشعر بأنني مطالب طوال الوقت بأن أكون شخصًا آخر. لا أريد أن أقع في الأخطاء نفسها كل يوم. هل تساعدني، أرجوك؟ مارتن: وكيف أستطيع أن أساعدك يا كارل، وما تريد الهروب منه هو نفسه الذي أهرب منه؟ أو لنقل بيقين أكبر: هو نفسه الذي يحاول الجميع أن يهربوا منه. كارل: أعرف ذلك… لكنني معجب بشخصيتك بالضبط. يصمت قليلًا، ثم يجلس بجانبه. هنالك ملاحظات تأتيني كلما فكرت فيك، أو كنت جالسًا بجانبك هكذا. تبدو لي الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي لا يحاول أن يهرب. والأغرب أنك تقول لي الآن إنك تهرب أيضًا؛ من القلق نفسه، ومن هذا التفكير الزائد الذي نعيشه جميعًا، ربما دون أي استثناء. لكن لا بد أنك تعرف شيئًا لا أعرفه. لا بد أنك تعرف كيف تبقى فرحًا، أو كيف تعود إلى فرحك بسرعة. فهل تشرح لي كيف تهرب أنت أيضًا من القلق، ومع ذلك تظل قادرًا على أن تضحك،...

حين لا تكون حياتي اختياري

 لا أستطيع أن أقف أمام حياتي وأقول: هذا أنا، وهذا ما صنعت.

ليس لأنني أتنصّل، بل لأن ما عشته لم يكن يومًا طريقًا اخترته وحدي.

كان دائمًا تقاطعًا حادًا بين ما ينبع من داخلي وما يُفرَض عليّ من الخارج،

بين حدسٍ يهمس، وقوى لا تهمس أبدًا، بل تدفع وتُسكت وتُعيد التشكيل.

 أعيش في حالة شدّ مستمر،

كأنني ساحة صراع لا تُعلَن فيها الحروب رسميًا،

لكن آثارها لا تتوقف.

أحيانًا أمشي ضد ما أشعر أنه حقيقتي،

لا عن جهل،

بل عن إرهاق.

عن تعبٍ من الإصغاء إلى القلب

حين يكون صوته أضعف من ضجيج العالم.

 كثيرًا ما أفعل ما لا يشبهني،

وأبرر ذلك باسم الحكمة،

أو باسم التوازن،

أو باسم “هكذا يجب أن نكون”.

لكن في داخلي أعرف أن الأمر أبسط وأقسى:

أنا أتنازل،

وأحيانًا أتنازل كثيرًا.

 اليوم، وأنا جالس في حانة،

لا أبحث عن معنى عميق ولا عن خلاص فوري.

أكتب فقط لأُخفّف الحمل،

لأضع نفسي في مساحة لا يحاسبني فيها المكان،

ولا يطاردني فيها الزمن.

أكتب لأن الكتابة هي الشيء الوحيد

الذي يسمح لي بأن أكون غير مرتب،

غير مكتمل،

غير قابل للتصنيف.

 حين أرسل رسالة إلى صديق أو قريب،

لا أفعل ذلك لأنني أؤمن أن لديه الحل،

بل لأن الصمت صار أثقل من أن يُحتمل.

أفرغ له ما علق في صدري،

وأعرف مسبقًا أن الرد قد يكون خفيفًا حدّ السطح،

أو ثقيلًا حدّ الحكم.

وقد يُفهم ما أكتبه

على أنه شكوى،

أو ضعف،

أو عجز عن ضبط النفس

والتحكم في الطباع

كما يُفترض بالإنسان “المتزن” أن يفعل.

 هذا الإنسان المتزن

الذي يشارك فقط ما يُرضي،

ويخفي كل ما يُقلق،

ويُجيد التظاهر بأن الحياة خط مستقيم

مرّ به الجميع بالطريقة نفسها.

لا أدّعي أنني صادق تمامًا،

ولا أعلم إن كانت فكرتي اليوم واضحة كما أريد.

لكنني أعرف أنني لا أكتب لأجل الشفقة،

ولا لأجل التبرير،

بل لأجل الاعتراف بأنني أحاول.

 أحاول أن أعيش دون أن أخون إحساسي بالكامل،

أن أكون صريحًا دون أن أتحول إلى عبء،

أن أقول ما في داخلي

دون أن أعتذر عن كوني إنسانًا معقّدًا.

 إن وصل هذا النص إلى قلوب أناس

يعرفون أن قيمة الحياة

لا تكمن في التماسك الدائم،

وأن الصدق ليس تهورًا،

وأن الاعتراف بالصراع

ليس هزيمة،

بل شكل من أشكال المقاومة

فذلك يكفيني.

 أنا لا أعلن انتصاري،

بل أعلن محاولتي.

وأحيانًا،

أن تحاول بصدق

هو أقصى ما يمكن للإنسان أن يفعله.

ك.ج 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")