ما قبل العبور
لم يكن الأمر عاديًا، ولا يمكن اختزاله في لحظة عابرة أو تجاهله كحادثة بلا أثر. لم يكن شيئًا أستطيع إنكاره، ولا دفنه في النسيان ثم البدء بيوم جديد، كما لو أن شيئًا لم يحدث. كان لا بدّ أن أتحدث عن هذه التجربة، أو على الأقل أن أكتبها، كأن الكتابة وحدها قادرة على تثبيت ما يتفلّت من الذاكرة، أو منح شكلٍ لما لا شكل له.
لم أنم بسهولة ليلة البارحة.
والحقيقة أنني، وأنا أستعيد اليوم السابق، لا أستطيع أن أتذكره بوضوح. الأيام
تتشابه إلى حدّ الامّحاء، تتكرر حتى تفقد أسماءها. ومع ذلك، إن أردت أن أكون
صادقًا، يمكنني وصفها بدقة، لأنني أعيشها كل يوم تقريبًا بالطريقة نفسها.
أستيقظ عند الثامنة صباحًا. أبدأ
بطقوسي المعتادة: أغتسل، أنظف أسناني، أمشط شعري، ثم أختار بعناية شيئًا جميلًا من
ملابسي. أحب هذا الطقس الصباحي، يمنحني شعورًا مؤقتًا بالانتظام، وكأنني أستعيد
توازني قبل أن أواجه الوقت. أُعدّ قهوتي، أشعل هاتفي، أرتشفها ببطء، أرسل بعض
الرسائل الإلكترونية، وأقضي ساعتين أو ثلاثًا في هذا الإيقاع الهادئ.
لكن ما إن ينقضي هذا الوقت، حتى
يبدأ ذهني في التشتت. أستمع إلى الموسيقى، أدخن، وأشعر بأن أفكاري تنفلت من قبضتي.
يتسلل التعب أو النعاس دون سابق إنذار، فأستسلم له، وأرتمي على السرير، لأنام
نومًا ثقيلًا يمتد لساعات. أستيقظ قرب الظهيرة، مثقل الرأس، كأنني عدت من مكانٍ لا
أتذكره.
أشعل حاسوبي، أجيب على ما تراكم من
مراسلات، ثم أستحم وأخرج لتناول الغداء في مطعمي المفضل. أطلب الطبق نفسه في كل
مرة: لحم بالخضر. لا أبحث عن تنويع، كأن ثبات الاختيار يعفيني من قرار إضافي. بعد
ذلك أمرّ بدكاني المعتاد، أشتري بعض قنينات الجعة، والسجائر، وأحيانًا قليلًا من
الفواكه الجافة، ثم أعود إلى البيت.
في المساء، تبدأ مرحلة أخرى من
اليوم. أُلفّ سجائري على مهل، أضيف إليها ما يخفف وطأة الساعات، وأجلس. الموسيقى
تملأ الغرفة، والجعة تتناقص، والليل ينتشر في أزقة المدينة قطرةً قطرة. في تلك
اللحظات، أعزف أحيانًا على القيتارة، أو أكتب، أو أقرأ، وقد أكتفي فقط بالنظر إلى
السقف، غارقًا في أفكار لا تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن مرافقة.
أحب المشي ليلًا. أخرج كثيرًا،
أترك خطواتي تقودني دون وجهة واضحة، ثم أعود متأخرًا، لأرتمي على السرير، وأستيقظ
في اليوم التالي على التوقيت ذاته، واليوم ذاته، تقريبًا.
لكن البارحة، حدث شيء مختلف. ليس
غريبًا تمامًا، فقد عرفته من قبل، خاصة في أيام فاس، لكنه في كل مرة يأتي محمّلًا
بثقلٍ جديد.
كنت نائمًا، ومع ذلك كنت يقظًا.
شعرت وكأن بابًا آخر يُفتح لي، وأنا على فراش النوم. داخل عقلي، داخل أفكاري، كأن
جسرًا يمتد نحو عالمٍ آخر. أحيانًا أسميه جسرًا إلى الموت، وأحيانًا لا أجرؤ على
تسميته. كل ما أعرفه أنني رأيت ذلك الباب، أو شعرت به، وأخطو نحوه أولى الخطوات.
في كل مرة أقترب، ينتابني إحساس
غريب: كأنني أفقد حضوري هنا، أفقد إحساسي بالآن، وكأن وجودي يخفّ، يكاد يذوب. أشعر
بأنني أعبر فعلًا، ثم فجأة، وبسرعة، أستيقظ. أفتح عينيّ لأجد نفسي في هذا العالم،
لكن محمّلًا بتجربة صعبة، كثيفة، لا تشبه الأحلام العادية.
لا أعرف معنى ما حدث. ولا أدري إلى
أي حد كنت صادقًا في إحساسي. لكنني أعرف أنني دائمًا ما أرى نفسي كائنًا عابرًا،
لا يستقر في بعد واحد. وربما كان تعبي من هذه الحياة اليومية، من تكرارها ومللها،
هو ما يدفعني إلى التفكير في نمط آخر للوجود، في حياةٍ أقل ضيقًا، أو أكثر
انفتاحًا.
يبقى السؤال معلقًا، بلا جواب:
هل، في المرة القادمة التي أنام
فيها، سأعبر ذلك الباب دون خوف؟
أم سأظل أستيقظ في اللحظة الأخيرة،
مشدودًا إلى هذا العالم، مهما بدا لي ثقيلًا؟
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق