ما أعرف أنه يضرّني ولا أتركه


 
أتعجب، لا بدهشة العابرين، بل بدهشة من يستيقظ كل يوم ليجد نفسه في المكان ذاته، كأن الزمن يمضي من حوله لا فيه.

تمرّ الأيام، تتراكم، تتشابه، وأنا ما زلت عاجزًا عن تغيير ما يؤذيني، أو ربما عاجزًا عن مواجهة ما لا أملك القدرة على تغييره في داخلي.
ذلك الداخل المكتظ بعادات أعرف، معرفة موجعة، أنها ليست لي، وأنها لا تشبهني، وأن فيها شرًا خفيًا لروحي، ومع ذلك أتركها تنمو، كأنني أُؤجل خلاصًا لا أعرف كيف أبدأه.

أنا لست استثناءً، ولا أدّعي عمقًا فوق البشر.
أنا مجرد شخص بسيط، لكن بساطة محمّلة بأسئلة ثقيلة.
كبرت داخل ثقافة محددة، داخل بيت كان يشبه العالم كله، بجانب أبي، حيث كانت الحياة أقل تعقيدًا، أو هكذا كنت أراها.
أصوات الجيران كانت تتشابه، الضحكات كانت صافية، والوقت لم يكن عدوًا.
لم أكن أعلم أن الذاكرة ستتحول يومًا إلى مكان ألوذ به هربًا من حاضر لا أفهمه.

لم يخطر ببالي، ولو للحظة، أنني سأقف في مواجهة غرابة لا تشبه أي شيء عرفته من قبل.
غرابة لا تأتي من حدثٍ صادم، ولا من فقدٍ واضح، بل من إحساس بطيء، زاحف، بأنني أعيش حياة لا أعرف سببها الكامل.
أنني موجود، نعم، لكنني لا أفهم شكل هذا الوجود ولا اتجاهه.

أحاول، بكل ما تبقّى فيّ من صفاء لم تُلوّثه الخيبات تمامًا، وبكل ما فيّ من معاناة صامتة، أن أطرح الأسئلة الصحيحة، أو على الأقل الأسئلة الصادقة.
من هذا الذي أنا؟
من هو حكيم الذي أُنادِيَه باسمي؟
هل أنا ما أفعله؟ أم ما أفكّر فيه؟ أم ما أعجز عنه؟

لماذا أعيش كما أعيش؟
لماذا أُكرّر أفعالًا أعرف نتائجها مسبقًا ثم أتظاهر بالدهشة؟
لماذا أتألّم لأشياء تبدو صغيرة في نظر الآخرين، بينما أمرّ على أوجاع أكبر وكأنها لا تعنيني؟

أشعر أحيانًا أنني في سفر طويل، بلا حقائب، بلا محطة وصول.
سفر يتجاوز قدرتي على الخيال، لأنني لا أرى نهايته ولا بدايته.
أجري فيه بين جراح كثيرة، بعضها قديم، وبعضها ما زال طريًا، وأتعلّم كيف أتنفّس دون أن ألمسها كثيرًا.

أكتب… لأن الكتابة هي المكان الوحيد الذي لا أحتاج فيه إلى تبرير ضعفي.
أكتب لأفهم، لا لأتجمّل.
أحلّل نفسي كما لو كنت شخصًا آخر، علّ المسافة تمنحني رحمة أكبر.
أحاول أن أُسامح نفسي، لا لأنني بريء، بل لأن الاستمرار في جلدها لم يُنتج إلا مزيدًا من التعب.

أحاول
وأعود للمحاولة
وأفشل أحيانًا، ثم أستيقظ في اليوم التالي وكأن الفشل لم يكن نهاية، بل مجرد استراحة ثقيلة.

يا الله، يا كل ما هو جميل وخالد،
إنني متعب.
تعب لا يظهر على الجسد، ولا يُشفى بالنوم، ولا يُفهم بسهولة.
تعب من التفكير، من التردّد، من البحث عن معنى لا يريد أن يُمسك بيدي.

أنا مجرد شاب، لا أكثر، وجد في سُكره نجاة مؤقتة، لا بطولة فيها.
سُكر يمنحني صدقًا لا أملكه وأنا واعٍ بكل شيء.
سُكر يفتح باب الكتابة حين تُغلق كل الأبواب الأخرى، وحين يصبح الصمت خانقًا.

أخرج من النص كثيرًا، نعم.
أتشقق، أضيع، أبتعد، ثم أعود.
النص لا يحتملني دائمًا، وأنا لا أحتمل وضوحي طويلًا.
لكن رغم كل ذلك، نبض قلبي لا يتوقف، وكأن في داخله عنادًا خفيًا يرفض الاستسلام.

أحب أن أفهم الحياة، لا لأسيطر عليها، بل لأتعايش معها دون هذا الثقل كله.
أحب أن أفهم لماذا أنا هنا، ولماذا أشعر بكل هذا، ولماذا لا أستطيع الاكتفاء بإجابات جاهزة.

ما الذي أسعى إليه حقًا؟
هل أبحث عن السلام؟
أم عن معنى؟
أم فقط عن لحظة أشعر فيها أنني في مكاني الصحيح، ولو لثوانٍ؟

لا أملك جوابًا نهائيًا.
لكنني أملك هذا السؤال، وهذا النبض، وهذه المحاولة المستمرة.
وربما… ربما يكون ذلك كافيًا الآن
.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")