صوت خافت يقول: لا بأس

 لم أكن أعرف أن الحظ هو مجرد إحساس ينبت من الداخل، إحساس يزهر في لحظة صدق بين الإنسان ونفسه، حين يحب الخير لنفسه بصدق لا يشوبه طمع ولا خوف. لم أكن أفهم أن الحظ ليس شيئًا يسقط من السماء أو يُوزع على الناس بقدر، بل هو حالة قلبية، انحياز بسيط للجانب المضيء في الذات. لمست ذلك حين مررت بتجارب جعلتني أرى أن ما أظنه صدفة لم يكن صدفة أبدًا، بل كان نتيجة لحبّي لذاتي، لرغبتي أن أكون في سلام معها. ومع ذلك، لا أريد أن أقول إنني محظوظ، لأن الحظ ليس وسامًا يُعلّق على الصدر، ولا شيئًا يُقاس بالآخرين. كل إنسان يحمل في داخله أبوابًا للحظ، يفتحها أو يغلقها بحسب ما يختار لنفسه.

لم أكن أعرف أن النجاح ليس محطة تصل إليها، ولا لحظة تصفيق أو كلمات إعجاب، بل هو فكرة تطرق عقلك كل يوم: كيف يمكن أن أكون أفضل مما كنت عليه بالأمس؟ كيف أتعلم من سقوطي دون أن أكره نفسي؟ لم أكتشف ذلك إلا حين واجهت الفشل وجهًا لوجه، ورأيت نفسي في أضعف حالاتي. الفشل كشف لي أن النجاح ليس انتصارًا على العالم، بل مصالحة مع ذاتي. النجاح أن تنهض من تحت الرماد، أن تلمّ شتاتك وتستمر. ومع ذلك لا أريد أن أقول إنني ناجح، لأنني ما زلت في منتصف الطريق، ما زلت أتعثر وأتعلم وأعيد المحاولة. النجاح عندي لم يعد كلمة تُقال، بل نفس طويل أتنفسه في رحلتي.

لم أكن أعرف أن السعادة أبسط مما نتصور. لم تكن وعدًا أعلّقه على الغد، ولا التزامًا أطلبه من الآخرين. السعادة جاءتني حين جلست أمام أوجاعي، حين قبلت دموعي وقلت لنفسي: "لا بأس… يمكنك أن تعيشي بهذا القلب كما هو." هناك فقط اكتشفت أن السعادة ليست نقيض الحزن، بل هي القدرة على أن أعيش الاثنين معًا دون أن أفقد نفسي. السعادة أن أبتسم رغم ثقل الأيام، أن أجد لحظة صافية وسط الضجيج. ورغم ذلك، لا أريد أن أقول إنني سعيد، لأن السعادة لم تعد حالة نهائية، بل لحظات متقطعة ألتقطها في الطريق، كزهور برية تنمو دون موعد.

وهناك الكثير من الأشياء التي لم أكن أعرفها. لم أكن أعرف أنني أستطيع أن أحب نفسي رغم كل كسورها، أنني أستطيع أن أرى قلبي كحديقة صغيرة، فيها أشواك، نعم، لكن فيها أيضًا ورود لا تنتهي. تعلمت أنني كائن هش وقوي في نفس اللحظة، أنني جميل لأنني مختلف، وأن حياتي الفريدة هي أثمن ما أملك. أفعل المستحيل لأحمي هذا النبض، لأحافظ على هذه الذات التي تخاف لكنها لا تستسلم، التي تنهزم لكنها لا تتلاشى. أريد أن أبقى كما أنا، حتى لو تغيّر كل من حولي، حتى لو تبدلت وجوه أحبها أو ابتعدت عني.

صفوة كلامي ليست لنفسي وحدي. هي لك أنت الذي تقرأ الآن. صدّق أن لا فرق بيني وبينك. نحن جميعًا قطع صغيرة من فسيفساء واحدة، نكمل بعضنا البعض حتى لو بدونا متباعدين. ربما أنا اخترت أن أغضّ الطرف قليلًا عن العالم المادي، أن أترك له صخبه وأراقبه من بعيد، بينما أبحث عن ذاتي وأسألها: من أنا؟ من هو الآخر؟ وربما وجدت في داخلي إجابات لا تُرى بسهولة. لكنّي أكتب هذه الكلمات لأقول إن التجارب ليست ملكًا فرديًا، بل هي مرايا نمدّها لبعضنا البعض.

أرجو أن تكون كلماتي مرآة صافية لك، كما كانت اعترافًا صادقًا لي. أرجو أن تراها بوضوح، أن تجد فيها جزءًا منك، كما وجدت فيها جزءًا منّي. وربما يومًا ما ستكتب أنت أيضًا نصًا يشبه هذا، لتقول إنك تعلمت أن تكون نفسك، رغم كل شيء، وأن هذا وحده يكفي.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")