آخر ما نشر كارل!

إلى الغد بقلب متعب

سقطت الأقنعة يا حكيم، فكفى من الاختباء خلف الكلمات، وكفى من قول: أنا بخير حين تعرف أنك لست كذلك . أنت حزين، وفي صدرك ليلٌ طال أكثر مما ينبغي، والناس تمرّ بقربك ولا ترى كل هذا الضجيج في داخلك . تبتسم أحيانًا، تتكلم، تمضي بين الوجوه كأن شيئًا لم يحدث، ثم تعود إلى وحدتك فتسقط منك كل الحيل . وماذا بعد يا حكيم؟ ستبقى تحرس بابًا تعرف أن أحدًا لن يطرقه؟ ستعيد الحكاية كل ليلة علّ نهايتها تتغير؟ يا عزيزي، بعض النهايات لا تتغير . من رحل، رحل، وما انكسر لن يعود دائمًا كما كان . ونورة لن تعود . قلها هذه المرة دون أن تهرب منها، دون أن تبحث في الذكريات عن طريق يعيدك إليها . نورة لن تعود، لكن هذا لا يعني أن عليك أن ترحل معها . اترك لها مكانها في قلبك، لا تمحها، ولا تجعلها كل القلب . فالذكريات جميلة أحيانًا، لكنها بيت لا يصلح للسكن إلى الأبد . لقد أحببت، وخسرت، وتألمت بما يكفي لتعرف أن بعض الأشياء لا ينقذها الانتظار . فابكِ إن احتجت، لكن لا تجعل الدموع وطنًا . واحزن، لكن لا تجعل الحزن اسمك . لقد مضى ما مضى يا حكيم، ولا يطلب منك الغد أن تنسى، ب...

الرئة الثانية

أيمكن لإنسانٍ أن يكتب وهو غارق في وجعه؟
أجلس الآن أمام الحاسوب، رأسي مثقل، كأن صخوراً تجمّعت داخله. الصداع يضربني بانتظام، موجة وراء أخرى، كما تضرب أمواج البحر سفينة صغيرة في ليل عاصف. الدخان يملأ الغرفة: سيجارة تحترق ببطء في طرف أصابعي، وأخرى تستعد في العلبة.
رائحة التبغ تلتصق بالهواء، تتغلغل في الجدران، تترك في عيني دمعة ساخنة لا تأتي من الحزن بل من الغشاوة. أرفع نظري إلى لوحة المفاتيح، فلا أرى إلا أشكالاً مبعثرة، حروفاً تتراقص في الضباب.
 ومع ذلك، أضغط. أضغط كأنني أطرق أبواب النجاة بأصابعي، وكأن كل نقرة مفتاح هي محاولة للبقاء.
قد يظنّ القارئ أن الكتابة تحتاج صفاءً وهدوءاً، لكنني أعرف أن ذلك وهم.
ما يولد في الصفاء هو كلمات باردة، مرتبة أكثر مما ينبغي، خالية من الارتجاف الذي يجعلها حيّة. النصوص التي تبقى، هي تلك التي خرجت من رحم الفوضى، من قلب الألم، من لحظةٍ لا يجد الكاتب فيها خلاصاً إلا بأن يكتب. إنّني الآن، في هذه اللحظة، لا أكتب حباً في الكتابة، بل لأنني إن لم أفعل سأختنق.
الحروف تتساقط ناقصة. الجمل تأتي ملتوية، مشوهة. هناك كلمات لم تكتمل، ومع ذلك أحافظ عليها كما هي. لماذا؟ لأن الكسر جزء من الحقيقة.
النص الكامل البارد لا يحمل نبضاً، أما النص المكسور فيحمل أثر اليد التي كتبته في لحظة ارتجاف. كل خطأ هو أثر صدق. كل جملة غير منسجمة هي انعكاس لروحي المضطربة. وكل حرف في غير مكانه دليل على أنني ما زلت حيّاً، أرتجف، أبحث عن المعنى.
لقد مللت رأسي. عقلي طاحونة لا تهدأ، يدور حول نفسه حتى يغدو كل شيء غباراً. التفكير الزائد أرهقني، حوّلني إلى أسير داخل متاهة بلا أبواب. لكن الكتابة…
الكتابة هي الباب الوحيد المفتوح. إنّها الشرارة الصغيرة التي تضيء العتمة. هي الهواء الذي يدخل إلى صدري حين يضيق.
أكتب أكثر مما أتنفس، أو لعلّي أكتب كي أتمكن من التنفس.
أريد أن أفتح صدري وأخرج منه العالم كله. كل المدن التي لم تُبنَ بعد، كل الأصوات التي لم تجد لحناً، كل الشخصيات التي تزاحمت في مخيلتي ولم أرها بعد على الورق. 
أريد أن أكتب عملاً ضخماً، لا يشبه أي عمل آخر. مشروعاً أدبياً يتسع لكل ما في داخلي: مليون شخصية، آلاف المصائر، حبكات تتشابك كما تتشابك خيوط العنكبوت، ثم تتمزق لتُعيد تكوين نفسها من جديد.
أريد أن أبني كوناً موازياً من الحروف، كوناً يفتح أبوابه على كل الاحتمالات.
القارئ الذي سيأتي غداً، لا أريده أن يقرأ نصاً فقط. أريده أن يدخل في عالم كامل.
 أن يضحك مع شخصية، ويبكي مع أخرى، أن يعيش الفقد، أن يذوق الحب، أن يشيخ ويولد من جديد داخل النص. أريد أن تكون الرواية نهرًا لا ينتهي، كلما شربت منه ازداد فيضاً. عملاً يترك القارئ بعد الصفحة الأخيرة عاجزاً عن العودة إلى حياته السابقة، كأن النص غيّر تكوينه الداخلي.
أعلم أنّني أكتب الآن في أسوأ حالاتي: متعب، مثقل، محاصر بالدخان.
لكنّني أيضاً أعلم أنّ هذه هي اللحظة الحقيقية. أن الأدب لا يولد من لحظة الهدوء، بل من قلب الفوضى. النصوص الخالدة لم تُكتب على مكاتب أنيقة في صباح مشمس، بل وُلدت غالباً من الليل، من المرض، من التعب، من الرغبة العارمة في أن نقول للعالم: "ما زلت هنا، ما زلت أتنفس، ولو بالحروف."
لهذا لا أخاف من الأخطاء.
لا أخاف من ارتباك النص. أكتب كما أنا: متشوش، متعب، متعثر. أكتب لأن الكتابة فعل حياة، ولأنها الرئة الثانية التي تعوض عن الهواء الفاسد.
أكتب لأنني لا أريد أن أصمت. لأن الصمت موت، والكتابة دليل حياة.
هكذا، كلما ضغطت على حرف، كلما أشعلت جملة، أشعر أنني أخرج من العتمة خطوة أخرى. وربما حين أقرأ هذا غداً، سأبتسم، وأرى أنني في لحظة ضعفٍ صنعت شيئاً يستحق أن يبقى.
 ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى