حين اخترت الآداب ولم أكن أعرف لماذا

 هل تعلمين يا حبيبتي، هناك سؤال ظلّ يرافقني كظلّ شجرة قديمةسؤال لم أعرف يوماً كيف أجيب عنه بصدق كامل.

لماذا سنة 2010، وأنا في الإعدادي بإعدادية مولاي علي بن العابد ببني تدجيت، اخترت شعبة الآداب في الثانوي؟
ولماذا وضعت الاختيار نفسه ثلاث مرات…

كأنني أوقّع اسمي عليه بإصرار طفل يخشى أن يُمحى؟ كنت آنذاك في عمر المراهقة، عمر لا يعرف كثيراً عن الفلسفة ولا عن الوجود ولا عن الهوية...لم أكن قد قرأت ما يكفي لأقول إنني عاشق للفكر... لم أكن قد اكتشفت أنني، بطريقة ما، كارل جبران الذي يتشكل ببطء...كنت فقط فتى يجلس في الصف، يراقب الكلمات أكثر مما يراقب الأرقام.

وضعته ثلاث مرات
أداب.
أداب.
أداب.

كأنني أقول للجنة التوجيه:
انتبهوا، هذا ليس خطأً في الترتيب… هذا أنا.

كان المطبخ دافئاً تلك اللحظة التي أخبرها فيها بذلك...الطاجين على نار هادئة، يفوح برائحة الزيت والبهارات والليمون المصبّر....المذياع يصدح بأغاني أمازيغية أطلسية ثم ريفية، ثم نغمة سوسية خفيفة تمرّ كنسمة على روحهما....كان اليوم جميلاً بطريقة لا تحتاج إلى تفسير....ابتسمت نحوه، تلك الابتسامة التي تعرف كيف تقرأ ما وراء الكلمات....وقالت له بهدوء:
كما اعتدت دائماً يا عزيزي حكيم، تفكر في ماضيك كثيراً… كأنك تبحث عن خيط يربط ما كنت بما أنت عليه الآن.

ثم أضافت وهي تقلب الخضر في الطاجين:
أظن أن اختيارك للآداب في ذلك السن لم يكن قراراً عشوائياً. ربما كان إدراكاً غير واعٍ لهويتك. لم أكن معك آنذاك، لكنني أتخيلك… كنت تحلل الأشياء في صمت، وتكتب في دفاترك أكثر مما تتكلم. لم تكن قد بدأت الفلسفة بعد، لكن روحك كانت تسير في اتجاهها.

توقفت لحظة، ثم ابتسمت:
ولا تنس أنك كنت تحلم بأن تكون صحافياً، أكثر مما كنت تحلم بأن تكون مهندساً أو رجل علم.

ضحك حكيم، ضحكة فيها شيء من السخرية الجميلة:
والآن أنا مهندس بيداغوجي.

ضحكا معاً...ضحكة فيها اعتراف بأن الحياة تحب المفارقات...اقترب منها، عانقها من الخلف، وهمس قرب أذنها:
أحبك كثيراً… وأحب أن أتعلم من أنا منك.

استدارت نحوه، تبادلا قبلة قصيرة، هادئة، كأنها توقيع آخر على اختيار قديم...في تلك اللحظة، لم يعد السؤال "لماذا اخترت الآداب؟" مهماً....صار الأهم أنه اختار نفسه… ثم اختارها...الطاجين كان ما يزال يطهى على نار خفيفة....والأغاني الأمازيغية الجميلة كانت تزيد المشهد عمقاً، كأن الجذور كلها تشهد على أن الهوية لا تُختار مرة واحدة..بل تُطهى ببطء، كما يطهى الحب.


ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")