الكتابة كمسافة بين الصدق والرحمة

 الكتابة ليست فعلًا بسيطًا كما تبدو، وليست معقّدة كما نحب أن نبرّر لأنفسنا. هي، في جوهرها، مساحة بين الجرأة والتردّد، بين الرغبة في البوح والخشية من العاقبة. ما دام الإنسان تعلّم الحروف، فهو قادر على أن يكتب. لكن حين تتزاحم المعاني في رأسه، وتتشابك الأسئلة مع القيم، ويصبح لكل جملة ظلٌّ سياسي أو ديني أو اجتماعي، عندها تتحوّل الكتابة إلى امتحان داخليّ، لا إلى تمرين لغوي.
أحيانًا أشعر أنني لا أخاف من ردّة الفعل بقدر ما أخاف من وضوح الفكرة نفسها. لأن الفكرة إذا اكتملت، صارت موقفًا. والموقف إذا كُتب، صار إعلانًا. والإعلان، في عالمٍ مزدحم بالحساسيّات، قد يُحسب عليك لا لك. فهل أكتب لأنني أبحث عن الحقيقة؟ أم لأنني أبحث عن نفسي داخل هذه الحقيقة؟ وهل يسمح الزمن الراهن بمساحةٍ آمنة للتفكير بصوتٍ مسموع؟
لطالما رغبت أن أكتب عن كل شيء: عن الدين حين يُفهم بوصفه تجربة روحية لا شعارًا، عن السياسة حين تتحوّل إلى لعبة مصالح لا مشروع قيم، عن الاقتصاد حين يُقاس الإنسان فيه بالأرقام، وعن المجتمع حين يُخفي تناقضاته خلف أعرافٍ مقدّسة. لكنني، في كل مرة، أجد نفسي أمام سؤال بسيط وقاسٍ: هل الكتابة تغيير، أم استفزاز؟ وهل النقد وعي، أم مجرّد ضجيج إضافي؟
ربما تكمن المعضلة في أن العالم لا يعارض الكلام، بل يعارض الفهم. يُمكنك أن تتكلم كما تشاء، ما دمت لا تهزّ البُنى العميقة. أما إذا حاولت أن تلمس الجذر، أن تسأل: لماذا؟ وكيف؟ ومن المستفيد؟ فهنا تبدأ الحساسيات. وهنا يصبح الكاتب كمن يمشي على حبلٍ رفيع، بين الصراحة والحكمة، بين الصدق والمراعاة.
مرت سنوات… عشت تجارب كثيرة، بعضها هزّني، وبعضها مرّ كنسمة عابرة. تعلمت أشياء ظننتها حقائق، ثم اكتشفت أنها مراحل. وأنا في الثلاثين، أجد نفسي لا أقلّ يقينًا، بل أكثر سؤالًا. وكأن النضج لا يمنح الإجابات، بل يوسّع مساحة الحيرة. أخاف أحيانًا من أن أكتب فأبدو متعاليًا، أو حاسمًا أكثر مما ينبغي، بينما داخلي مليء بالاحتمالات.
راودتني فكرة أن أكتب عن أصلي، عن البيئة التي نشأت فيها، عن تفاصيل الطفولة التي شكّلت رؤيتي للعالم. لكن هل يحقّ لي أن أحلّل ما كان يعيش في بساطته؟ هل يحقّ لي أن أفكّك منظومةً عاش فيها غيري بسلام؟ قد أظلمهم إن كتبت بصدقٍ كامل، وقد أظلم نفسي إن كتبت بنصف صدق. وبين الصدق والرحمة، تقف الجملة حائرة.
وكم مرة رغبت أن أدوّن كل حواراتي مع أصدقائي: مع أنس حين يبالغ في واقعيته، مع حمزة حين ينحاز للعاطفة، مع أبي حين يتكلّم من تجربة عمرٍ طويل، ومع زملاء العمل حين تختلط المصالح بالأفكار. في كل حوارٍ مادة كتاب، وربما أكثر. لكنني أتراجع. ليس خوفًا، بل احترامًا. احترامًا لحقّهم في أن تبقى كلماتهم في سياقها، لا على صفحاتٍ قد تُقرأ خارج نواياها.
أكتب رسائل طويلة، أفكّك فيها الواقع كما أراه، وأعيد تركيبه كما أتصوّر إمكانه. أحيانًا لا يأتيني ردّ. فأحتار: هل أسرفت في التحليل؟ هل بالغت في التفكيك؟ أم أنني ببساطة أبحث عن عمقٍ لا يريده الجميع؟ ليس كل الناس ترغب في مساءلة المسلّمات، ولا كلهم مستعدّون لتحمّل ثقل الأسئلة. وربما الخطأ ليس فيهم ولا فيّ، بل في اختلاف زوايا النظر.
أحيانًا أظن أنني أملك قدرة على رؤية العلاقات الخفية بين الأشياء، على ربط ما يبدو متباعدًا، على قراءة ما بين السطور. ثم أتساءل: هل هذه ميزة، أم عبء؟ لأن من يرى أكثر، يقلّ ارتياحه. ومن يحلّل أكثر، يصعب عليه أن يعيش ببساطة.
ورغم كل هذا، لا تزال الكتابة تناديني. لا بوصفها منبرًا، بل ملاذًا. لا كأداة صراع، بل كمساحة ترتيب. ربما ليست مهمتي أن أغيّر العالم، ولا أن أقدّم أجوبة نهائية. ربما يكفي أن أكون صادقًا مع ارتباكي، واضحًا مع شكوكي، متواضعًا أمام تعقيد الوجود.
أنا لا أكتب لأنني وصلت، بل لأنني في الطريق. لا أكتب لأحسم، بل لأفهم. وإن بدوت كحمامة تحوم ولا تحطّ، فلأن السلام نفسه ليس نقطة وصول، بل محاولة مستمرة. كذلك الكتابة: ليست إعلانًا للحقيقة، بل سعيًا نحوها.
وربما، في نهاية الأمر، السؤال ليس: هل أكتب حقًا؟
بل: هل أستطيع ألّا أكتب؟

 ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")