آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

لا أحد يغادر بيئته تماما

و أنا أدخّن سيجارتي على سطح المنزل، السماء صافية، أرى النجوم، رغم أنني لا أعرف حقًا أسماءها، وأصوات الكلاب وهي تنبح، من هنا ومن هنالك، لا شيء صاخب رغم كل هذا، هنالك نوع من الهدوء، أحب أن أسميه هدوء الجنوب الشرقي.
كنت أفكّر، أتمشّى وأفكّر، كأن قضية ما عاجلة، لا بدّ لها من قرار أو على الأقل، لا بدّ لها من خطة طريق، لكي أنام، وأستريح… لكن الحقيقة أنني على هذا الطبع منذ سنين طويلة، اعتدت أن أقوم بهذا الطقس كل مرة عدت فيها إلى منزلنا ببلدة بني تدجيت.

صحيح أن المواضيع التي تجول في خاطري، كل لحظة أكون فيها منغمسا في مناخ الجنوب الشرقي، لا تتغير، هي نفسها: أحوال وقصص العائلة، أحداث هنا وهناك نالت اهتمام الناس وجعلتهم يشاركون الفضيحة أو المأساة، وجدَل الخير والشر، وربما سأضيف سؤال المستقبل واليقين، الذي ربما سأربطه بشكل مباشر بعقلية التدين.

لطالما حاولت أن أريح عقلي، أن أفكر مرة واحدة وأخيرة، ثم أهمس لنفسي بالحقيقة وبالخلاص، لكنني جزء من هذه التركيبة. حينما أحاول أن أصف نفسي بأنني مجرد عابر في هذا المناخ، وأن كل ما يحدث لا صلة له بنمط حياتي، أجد أنني أوهم نفسي، وأن الحقيقة أنني مرتبط بهذه البيئة، وأن كل اختيار أو قرار سيؤثر أيضًا في مصير هذه التركيبة.

فمثلًا، تخيّلت أنني سأتخذ قرارًا بأن أستقر هنا، ثم أعيش بين الناس، وأصنع لنا جميعًا، انطلاقًا من تجربتي الميدانية واليومية بالناس، مشروعًا ما، ربما يساهم في تغيير تمثلات الناس والأهل، وربما يعلّم نمطًا ثقافيًا جديدًا يمنح الثقة للأجيال القادمة، خصوصًا الأطفال، ليكبروا على رؤية تجعل من فترة شبابهم فترة عطاء لا صراع. بيد أنني ألاحظ مسبقًا أن من الناس هنا من يعيش بيننا، ولديه من المال الكثير، لكنه لا يفكر فيما أفكر فيه، كأنني أشعر بالفكرة نفسها كأنها تجول في خاطري وحدي، ومع كل عام جديد أزور البلدة، أشعر بأن هذه الفكرة التي جالت في بالي لسنين طويلة تشبه حلمًا أواسي به نفسي لأستطيع التسامح وقبول هذا المناخ في الجنوب الشرقي.

الواقع أن مفهوم الحياة، في جوهره، قائم على هذا الصراع والتناقض، وأن نيّتي في بناء فكرة الخير بمفهوم جماعي وتشاركي، ربما لا توازي واقع الحياة الذي يقوم على أن الخير والشر يعملان في الوقت نفسه، وأن لا أحد أقوى من الآخر، وأن تجربة الفرد مع بيئته ليست البحث عن الخلاص للجميع، ولكن البحث عن الخلاص لنفسه.

وهذا حقًا ما يدفعني، في نفس اللحظة، على نفس السطح، وربما بسيجارة جديدة، أن أفكر: ماذا يجب عليّ أن أفعل، كأنا، أو كذات واعية بنفسها؟ ماذا أفعل بهذا الفكر الإبداعي، وكيف أحرّر نفسي أكثر من جدل الحياة الاجتماعية، خصوصًا في هذه المرحلة التاريخية ما بعد سنة 2025؟

أقصد، متى سأبتعد من الجنوب الشرقي وأعود من جديد إلى أقصى الشمال، هناك في قلب مدينة طنجة، لأوازي من جديد صراعًا آخر، صراع الفردانية و عالم اللامعنى.

ك.ج 

 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")