ما زلت أختار أن أرى

ك.ج
هنالك من الحقائق الاجتماعية ما لا يمكن أن تمر عليها وعيناك مغمضتان، حتى لو حاولت أن تتظاهر بالطمأنينة، أو أن تضع على بصيرتك ضماداً من الحكمة المتداولة بين الناس.
ولو أن واقع الأمر، وربما ما سيتفق عليه جميع البشر، أن لا بد على الإنسان أن يتخطى جراحه وصدماته من أجل نسخة أقوى وأفضل، تماماً كما يتفق الجميع على جوهر الحكمة ومسعاها، فإنني مرهق من هذه الفكرة نفسها. مرهق من الإصرار على أن النمو واجب، وأن الألم مجرد مرحلة انتقالية ينبغي شكرها. مرهق أيضاً من فكرة أن الحكمة تكمن في تغيير التمثل، في إعادة تأويل كل ما حدث، من أجل ارتباط أكثر نقاءً مع الآن، كأن الحاضر كائن هش لا يقبل إلا النفوس المصفّاة.
لطالما ناقشت مع صديقي أنيس فكرة الخير والشر، وكنا نعود في كل مرة إلى النقطة نفسها: هل الشر اختيار أم نتيجة؟ هل هو جهل متراكم أم إرادة واعية؟
ولطالما جالست أبي وأمي، وهما في العمر أكثر مني ضعفين أو ثلاث، يحدثانني عن قصص الناس، عن خيباتهم الصغيرة، عن قسوة الحياة، عن التحولات التي تصيب البشر حتى لا يعودوا يشبهون أنفسهم. كانوا يتحدثون بنبرة من رأى كثيراً وخسر كثيراً، وبقناعة أن في الناس من يسكنه شر عتيق، وأن الجهل يجري في دماء البعض كما يجري الإرث، وأن الحياة لا ترحم من يبالغ في حسن الظن، وأن الخير صعب العيش به لأنه يتطلب ثمناً لا يرغب الجميع في دفعه.
لا أدري أرى في كل مرة أزور فيها بني تدجيت، كأنني أدخل إلى كهف كل شيء فيه واضح رغم أنه مظلم جداً. وضوح الأشياء في العتمة يربكني. كأن الظلال لا تخفي الحقائق، بل تبرزها. كأن المكان يحتفظ بذاكرة أعمق من ذاكرة البشر، ويهمس بما لا يقال صراحة.
عشت ما يكفي في طفولتي لأتأقلم مع العنف الذي جال ودار في مختلف تجاربي. لم يكن العنف حدثاً استثنائياً، بل مناخاً. وعشت ما يكفي أكثر في ريعان شبابي، ولا زلت الآن أعيش ما يكفي، وأنا أدخل مرحلة قليلة هي نسبة من الناس من ينجح في تسييرها من كل الأبعاد: النفسية والاجتماعية والوجودية والاقتصادية. كل بعد منها ساحة صراع مستقلة، وكل ساحة تحتاج من الصبر ما يفوق طاقة الجسد أحياناً.
أرى الحياة نعمة، ولن أخالف هذا الرأي أبداً. ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل لأنني عشت نقمتها. عشت الوجه الآخر الذي يجعل الامتنان خياراً واعياً لا رد فعل تلقائياً. وبطبيعتي، وبحدّة شخصيتي في كل شيء، لا أستطيع أن أرى الأشياء بنصف عين. إما أن أراها كاملة، أو أن أتورط في تأملها حتى الإنهاك، أم أن رى الجزء الذي يريحني فقط، فهذا مستحيل.
فهمت ما يجري للناس، أو هكذا أظن، وفهمت ما سيجري لهم إن ظلّت الدوائر نفسها تدور. وفهمت من جلسات والديّ أنهما، في آخر المطاف، ليسا بتلك الدرجة من فهم العالم كما كنت أتصور في طفولتي. هما يفهمان من موقعهما، من تجاربهما المحلية، من قصة حياتهما المحدودة بإطار جغرافي وثقافي وتاريخي معين. وأنا أفهم هذا الآن من منظور أوسع، من تحليل نفسية القبائل في الجنوب الشرقي بالمغرب على امتداد مئة عام الأخيرة على الأقل. أرى كيف يُعاد إنتاج الخوف، وكيف يورث الحذر، وكيف يتحول الدفاع عن الكرامة إلى صلابة مفرطة، وكيف تصبح القسوة أحياناً وسيلة للبقاء لا رغبة في الإيذاء.
نحن أجيال ولدها صراع التاريخ. لم تلدنا إرادة الحب خالصة. وُلدنا في تقاطعات لم نخترها، بين ذاكرة استعمار، واقتصاد هش، وبنى اجتماعية تتشبث بما تعرفه ولو كان مؤلماً. نحاول أن نكون أفضل مما ورثنا، لكننا نحمل الإرث في دمائنا، في لغتنا، في ردود أفعالنا الأولى.
ومع ذلك، أعود فأقول إن الحياة نعمة. ليس لأنها سهلة، بل لأنها تتيح هذا الوعي نفسه. لأننا نستطيع أن نرى الكهف، وأن نعترف بظلمته، وأن نلمح وضوحه في آن واحد. ربما لا يكون المطلوب أن نتسامح مع كل شيء، ولا أن نعيد تمثيل كل ألم، بل أن نعترف بأننا تعبنا، وأن التعب أيضاً مرحلة صادقة من الحكمة.
لست متأكداً إن كان الخير صعباً لأن الناس لا يحتملونه، أم لأنه يتطلب شجاعة مواجهة ذواتهم أولاً. ولست متأكداً إن كان الشر أصيلاً في البعض، أم أنه قناع طويل الأمد لجرح لم يجد من يصغي إليه. كل ما أعرفه أنني لا أستطيع أن أغمض عينيّ. وأنني، رغم الإرهاق، ما زلت أختار أن أرى.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")