آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل : بين الأشجار

  المكان: حديقة هادئة عند آخر النهار. تمتد الأشجار على جانبي الممر، وتتحرك أغصانها مع ريح خفيفة. يجلس مارتن على مقعد خشبي، بينما يقف كارل غير بعيد عنه، يراقب الأطفال وهم يركضون بين الأشجار. كارل: يا مارتن، أحب أن أستريح. أحب أن أجري بين الأشجار وأمرح بأيامي، دون أن أشعر بأنني مطالب طوال الوقت بأن أكون شخصًا آخر. لا أريد أن أقع في الأخطاء نفسها كل يوم. هل تساعدني، أرجوك؟ مارتن: وكيف أستطيع أن أساعدك يا كارل، وما تريد الهروب منه هو نفسه الذي أهرب منه؟ أو لنقل بيقين أكبر: هو نفسه الذي يحاول الجميع أن يهربوا منه. كارل: أعرف ذلك… لكنني معجب بشخصيتك بالضبط. يصمت قليلًا، ثم يجلس بجانبه. هنالك ملاحظات تأتيني كلما فكرت فيك، أو كنت جالسًا بجانبك هكذا. تبدو لي الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي لا يحاول أن يهرب. والأغرب أنك تقول لي الآن إنك تهرب أيضًا؛ من القلق نفسه، ومن هذا التفكير الزائد الذي نعيشه جميعًا، ربما دون أي استثناء. لكن لا بد أنك تعرف شيئًا لا أعرفه. لا بد أنك تعرف كيف تبقى فرحًا، أو كيف تعود إلى فرحك بسرعة. فهل تشرح لي كيف تهرب أنت أيضًا من القلق، ومع ذلك تظل قادرًا على أن تضحك،...

حواريات مارتن و كارل: حين يكون الإبداع ضرورة

 مساء شتوي هادئ. نافذة مفتوحة على شارع مبلل بالمطر، وضوء أصفر خافت ينساب فوق طاولة صغيرة في مقهى شبه فارغ. يجلس مارتن أمام كارل، وبينهما صمت كثيف كأنهما يتلمسان فكرة لا تريد أن تُقال بسهولة.
مارتن: هل حقًا حينما تحب شيئًا وتحلم به يتحقق؟ أقصد ليس مجرد رغبة عابرة، بل شيء داخلك يحثك عليه، يدفعك نحوه حتى وأنت تحاول أن تتجاهله، ألا تؤمن به، أن تقنع نفسك أنه وهم… ثم يعود. يعود بإلحاح غريب، كأنه لا يقبل أن يُنسى.
كارل: أعطني مثالًا دقيقًا لأفهم ما تعنيه.
مارتن: حكيم مثلًا. نعرفه جميعًا. أراه دائمًا يعيش في تناقضات كثيفة كسحاب الشتاء؛ يهرب من شيء ثم يغرق في شيء آخر. أحيانًا يبدو كمن يركض بعيدًا عن ذاته، وأحيانًا كمن يسلم نفسه لها بالكامل. لكنه في النهاية مبدع. لديه حدس حاد، يفهم ما يجري بسرعة، يلتقط الإشارات قبل أن تكتمل. رأيته يفشل كثيرًا، يتعثر، يضيع في اختياراته، ثم فجأة أراه راقيًا في التربية، في تكنولوجيا التعلم، في الشعر والفن والموسيقى. كأن شيئًا يقوده رغم فوضاه. ومع ذلك، يقول إن ما يفعله ليس نجاحًا، بل مجرد تعبير عن تراكمات نفسية، عن عقد قديمة، عن محاولة تفريغ داخلي. يرفض أن يسميه حلمًا تحقق.
كارل: أرى مقصدك. لكن من الصعب أن نؤمن بفكرة الحلم بهذه البساطة. فكرة أن هناك شيئًا داخلك يعرف الطريق، وأنك تفقد الثقة به ثم تعود فتثق به تحت ظروف مختلفة، ثم يتحقق، وفي النهاية لا تسميه حلمًا بل صدفة… هذا يحدث مع أغلب الناس. لأن الاعتراف بأن الصوت الداخلي كان صادقًا يعني الاعتراف بأنك كنت تهرب منه.
مارتن: مثال حكيم إذن ليس دليلًا على أن الحلم يتحقق؟
كارل: مثالك جميل ودقيق، لكنني أرى فلسفة أخرى وراءه.
مارتن: كيف؟ اشرح لي.
كارل: حين أتفكر حكيم، لا أرى فقط موهبته. أرى معاناته العميقة مع أخطائه. أرى اضطرابه في تعامله مع رغباته. أحيانًا يفعل شيئًا وهو لا يحبه، وأحيانًا يخاف أن يضره ما يفعله، لكنه يفعله فقط لأن متعته تمنحه سلامًا مؤقتًا أمام ظلام أعمق في وعيه. كأن داخله مساحة غير محسومة، فيحاول أن يملأها بالفعل، بأي فعل.
مارتن: يبدو الأمر معقدًا على مستوى نفسي… أحاول أن أفهم.
كارل: المسألة ليست تعقيدًا بقدر ما هي مواجهة. فكرة أن يخطئ لا تغير شيئًا عنده، كما أن فكرة أن يحاول ألا يخطئ لا تغير شيئًا أيضًا. لأنه لا يرى الحل في السلوك نفسه، بل في شيء أعمق لم يُفهم بعد. الإبداع عنده ليس مشروع نجاح، بل ضرورة داخلية. طريقة ليبقى متوازنًا أمام فوضاه.
مارتن: هل تقصد أن ما نسميه حلمًا قد يكون مجرد محاولة للنجاة من شيء داخلي؟
كارل: أحيانًا نعم. ليس كل حلم وعدًا بالضوء، أحيانًا هو صراع مع عتمة. وحين يعود الحلم رغم التجاهل، فربما لأنه لم يُحل، لم يُفهم. ليس لأنه قدر محتوم، بل لأنه جزء منك.
مارتن: هل يمكنك أن تشرح أكثر؟
كارل: لا داعي لذلك. إن فعلت، ربما سأجعلك أنت أيضًا تحمل هذا الظلام.
مارتن: لطالما شعرت به. فقط تحدث.
كارل: حسنًا. حين يتكرر نداء داخلي رغم الإنكار، فهو ليس رغبة سطحية. هو طبقة أعمق منك تحاول أن تعيد ترتيبك. حكيم لا يبدع لأنه يريد أن ينجح، بل لأنه لا يستطيع ألا يفعل. لكنه حين ينظر إلى ما يصنعه، يراه أثر ألمه، لا ثمرة حلمه. لذلك ينكره. الاعتراف بأنه حلم تحقق يعني أن يعترف بأن معاناته كانت طريقًا، لا مجرد عبء… وهو لم يصالح ذلك بعد.
يصمتان قليلًا. المطر يخف في الخارج.
مارتن: إذن حين يعود الحلم، فهو ليس دائمًا وعدًا، لكنه ليس صدفة أيضًا؟
كارل: هو علامة. قد يكون حلمًا، وقد يكون محاولة شفاء، وقد يكون الاثنين معًا. لكن تجاهله لا يلغيه. هو يعود لأنك لم تفهمه بعد، لا لأنه يريد أن ينتصر عليك.
يظل الضوء الخافت فوق الطاولة، بينما يهبط الصمت بينهما، أقل ثقلًا مما كان في البداية.
ك.ج
 

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")