آخر ما نشر كارل!

طنجة لا تنتظر أحدا

  في طنجة، حيث يسند البحر رأسه إلى المدينة، لا أدرك بعد إلى أيّ حدّ أنا محظوظ. نزلتُ إلى ظلمات نفسي، ومشيتُ فيها طويلًا، حتى صار العاديُّ بابًا لا أعرف كيف أدخله. بحثتُ عن الحرية كأنّها بيت، وعن الاستقلال كأنّه مفتاح. وابتعدتُ عن الجميع، لأسمع، وسط كلّ ذلك الصمت، صوتَ الذي أكونه. لكنّ الحياة لم تنتظرني. مضت، تجرّ الأيام من يدي، ولم تلتفت لتقول: خذ وقتك، سأبقى هنا، فقط أكمل طريقك، واعثر على أجوبة أسئلتك. رميتُ كلّ يقيني في الريح، وقبلتُ الخوف. رميتُ كلّ إيماني خلفي، وقبلتُ الإثم. فعشتُ الفشل يعود إليّ، بالوجه نفسه، وبأسماء جديدة، بينما كنتُ، في أعين الجميع، ذلك الناجح الذي لا أعرفه. وقبلتُ أن أسقط من جديد، أن أصبح شخصًا آخر في الزحام، عابرًا لا يحفظ أحدٌ اسمه. اليوم، وأنا بصحبة أخي، صار العالم أخفَّ قليلًا. نستمع إلى المذياع، فتفتح الأغاني الأمازيغية نافذةً نحو الأطلس. هو يُعدّ الغداء، ويبدو كلّ شيء، للحظة، في مكانه. وأنا أركض بين أفكاري، أحاول أن أمسك معنى المتعة قبل أن يفلت منّي. اليوم، وأنا بصحبة أخي، تعلّمتُ أن النجاة لا تأتي دائمًا في هيئة جواب. قد تأتي في هيئة أخ يُعدّ الغداء،...

من البحر إلى اليابسة

 في لحظة لم أكن أظن أنني سأبلغها يومًا، وجدت نفسي قاسيًا على فكرة الحياة ذاتها. لم تكن الفكرة عابرة، ولا طيفًا خفيفًا يمكن صرفه بإشارة من يد، بل كانت ترتجف داخلي كشيء على وشك أن ينفلت من عقاله. كنت أشعر أنني أقف على حافة معنى يتصدع، وأنني إن خطوت خطوة واحدة إضافية، فلن أعود كما كنت.

ومع ذلك، ومن مكان لا أعرفه في داخلي، جاء قرار هادئ، غير صاخب، لا يشبه الانهيار بل يشبه التراجع خطوة إلى الوراء. قلت لنفسي: أوقف كل شيء. عد. عد إلى فجيج.

لا أعرف هل كنت أهرب أم أواجه. لكنني شعرت أن عليّ أن أعود إلى ذلك الطفل الذي تركته هناك، بين الأزقة اليابسة، تحت سماء لا تمطر إلا نادرًا، وفي بيت كان الدفء فيه أقوى من كل قسوة خارجه. أعلم أن ما يرهقني اليوم ليس وليد هذه السنة وحدها، بل هو تراكم طويل، جذوره ضاربة في سنوات لم أكن أملك فيها لغة لأفهم ما يحدث لي. عنفٌ صامت، قهرٌ يتخفى في العادات، وأسئلة لم يسمح لها أن تُطرح.

أريد أن أعود لا لأحتمي، بل لأقف أمام ذلك الطفل وجها لوجه. أن أنظر في عينيه وأقول له: عدتُ ومعي سنة كاملة من التجربة، من البعد، من الاحتكاك بعالم أكبر من البلدة وأصغر من أحلامي. أريد أن أرى ماذا تفعل هذه الخبرة أمام قدر صارم، قدر بلدةٍ على الحدود، في صحراء شرقية لا يغريها المال ولا تستجيب للترف، بل تُمتحن فيها القدرة على الاحتمال.

أفكر كثيرًا في هذه المفارقة: أن أعيش في طنجة، مدينة نابضة، حديثة، مفتوحة على البحر واللغات والوجوه العابرة، ثم أشتاق إلى مكان لو أخرجت فيه ألف درهم فلن أجد ما أشتريه سوى وقت أطول مع الغروب. هناك، المال لا يصنع معنى. هناك، ما ينفع هو الصبر، والعلاقة بالأرض، ومعرفة اتجاه الريح.

ربما الحياة، كما بدأت أفهمها، ليست إلا هذا التوتر الدائم بين الحلم والخوف. نحلم لأننا لا نريد أن نبقى كما نحن، ونخاف لأن كل خطوة إلى الأمام تُبعدنا عن الطفل الذي كنا. وكلما ابتعدنا، شعرنا أننا نفقد شيئًا لا يُعوّض.

أنا لا أريد أكثر من أشياء تبدو بسيطة: أن أزور بيتي مرة أخرى. أن ألمس دراجتي القديمة وأعتني بها بيدي، كأنني أصلح شيئًا في داخلي معها. أن أمشي على تلال البلدة مع أول ضوء، أو عند انطفاء الشمس، حين يصبح الصمت كثيفًا بما يكفي لأسمع نفسي. أن أكتب قصائد لا لأثبت شيئًا، بل لأتنفس. أن ألتقي بأولئك الذين أراهم مرة أو مرتين في العام، فأشعر أن الزمن لم يمحُ كل شيء.

أريد أن أعيش ذلك الشعور الغريب: أن أنتمي وأغترب في اللحظة نفسها. أن أرى المكان الذي وُلدت فيه، وأدرك أنني صرت سائحًا فيه. أن أحمل داخلي عالمًا آخر، وأضعه برفق فوق تراب يعرف اسمي الأول.

أكتب الآن بحنين لا يخلو من الحيرة. بين مدينة تعِد بالكثير، وبلدة لا تعد بشيء لكنها تمنحني نفسي. بين الطموح الذي يدفعني إلى الأمام، والسلام الذي ينتظرني خلفي.

وأشعر بتعب، نعم، لكنه تعب من يريد أن يفهم، لا من يريد أن يتخلى.

ربما العودة ليست رجوعًا إلى الوراء، بل دائرة تكتمل. وربما مواجهة الطفل ليست استدعاء للألم، بل محاولة أخيرة لمصالحته، كي أستطيع أن أمشي خفيفًا في بقية الطريق.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")