الجميع نحو الشبكة
في ضجيج كرة القدم، في قلب الحانة، حيث الأصوات لا تأتي من مصدر واحد بل تتكاثر كأنها كائن حي يتنفس، تتكاثر، تتمدد، تملأ كل زاوية، حتى الزوايا التي لا تُرى، أصوات الجماهير من التلفاز، صدى المعلق، احتكاك الكؤوس، ضحكات مفاجئة، شتائم عابرة… كل شيء ينساب في موجة واحدة، وكأن المكان كله يتحول إلى صدر كبير يلهث.
الجميع يشاهد.
الجميع يتابع الكرة وهي تنتقل من قدم إلى قدم،
من نية إلى نية، من احتمال إلى آخر. الكرة ليست مجرد كرة، هي مركز الجاذبية، هي الشيء
الوحيد الذي يمنح معنى للحظة. حين ترتفع، ترتفع معها الأنفاس، وحين تسقط، يسقط معها
شيء صغير داخل كل واحد. وحين تخرج من الملعب، كأنها خرجت من مدارنا، ثم تعود فجأة إلى
يد الحكم، فنعود نحن معها، إلى نفس الدائرة.
في هذا الجو الذي يشبه حفلة، بل طقسًا جماعيًا،
الكل يصبح مستديرًا، الكل يفقد زواياه، حدوده، شكوكه، ويتجه إلى مكان واحد: الشبكة.
وأنا… أحاول أن أكتب.
كنت قبل لحظات فقط في المنزل، في هدوء لا يُحتمل،
كنت أجادل نفسي، ليس كحوار بسيط، بل كأنني في محكمة داخل رأسي.
لماذا سنذهب إلى الحانة؟
ولماذا الآن تحديدًا، ونحن عدنا للتو من طبيب
الأسنان، بوجع خفيف في الفم، وطعم غريب في الحلق، وكأن الجسد نفسه يطلب الراحة؟
كنت أجادل نفسي في مصير يومي، في قدر هذه الليلة
التي لم تبدأ بعد لكنها كانت تُثقلني.
هل سأقضيها في فلسفة الصحة، في الاعتناء بالنفس،
في أن أكون شخصًا “أفضل” كما يُفترض؟
أم سأقضيها هنا، في الحانة، كأسًا بعد كأس، سيجارة
بعد سيجارة، فكرة بعد فكرة، دون أن أصل إلى شيء؟
كنت متعبًا من نفسي، من تناقضي، من هذا الإحساس
بأنني دائمًا في الجهة الخاطئة من قراراتي، أو ربما في الجهتين معًا.
كنت خائفًا من تلك اللحظة البسيطة جدًا… حين
أستلقي على الأريكة، لا أفعل شيئًا، فقط ألاحظ.
ألاحظ تفاصيل الغرفة، الشقوق الصغيرة في الجدار،
الضوء الذي يتغير ببطء، صوت الثلاجة، صوت أنفاسي، وأصوات أخرى… أصوات داخلي، أفكاري،
أسئلتي التي لا تريد جوابًا.
كنت خائفًا من أن أبقى هناك، دون حركة، دون حجة،
دون ضجيج يحميني.
وعلى أي حال… أنا في الحانة الآن.
يبدو أن الصوت الذي أقنعني لم يكن صوت العقل،
بل صوت آخر، أكثر إلحاحًا، أكثر قدرة على تبرير كل شيء.
وقد فاز.
فاز بتدبير قدر هذه الليلة.
وبما أنني هنا، والمعلق الصوتي أقوى مني، يخترقني
وأنا جالس في قاع ذاتي، يقول:
ملعوبة الكورة…
ركلة ثابتة…
الخطأ كان موجود…
حكيم يسجل…
يا له من معلق...كم هو بارع في منح القيمة للعبة، في تحويل الركض وراء كرة إلى قصة، إلى معركة، إلى حدث يستحق أن يُعاش.
لو كنا نشاهدها بلا صوت، ربما كنا سنشعر بالملل،
أو على الأقل، لن نشعر بكل هذا.
أعود لنفسي.
لا أشعر بالانتماء لهذا المكان.
لكنني أشعر بشيء آخر…
بالتأقلم.
نوع غريب من الطمأنينة، تلك التي تأتي من الجلوس
مع غرباء.
لا أحد يعرفك، ولا أحد ينتظر منك شيئًا، ولا
أحد سيحكم عليك إذا بقيت صامتًا، أو إذا حدّقت في الفراغ أكثر من اللازم.
أجلس هنا، في مكان، لولا أن لدي مالًا، لما استطعت
الجلوس فيه أصلًا.
وهذا بحد ذاته يمنحني إحساسًا غريبًا… كأنني
أنتمي مؤقتًا إلى طبقة ما، أو إلى فكرة “النخبة”، أو ربما مجرد وهم صغير يجعل الجلسة
أخف.
غرباء… لكنهم مريحون.
ربما أكثر من الجلوس في المقهى المعتاد، أو حتى
في المنزل… حيث أعيش أنا، وكل صراعاتي، وكل النسخ التي لا تتفق.
وفي هذه اللحظة بالذات…
تأتيني مشاعر لا أستطيع تفسيرها بسهولة.
أشعر بأنني قادر على السفر بسرعة الضوء، ليس
بجسدي، بل بوعيي.
أن أستحضر ذكريات قديمة جدًا، تفاصيل كنت أظن
أنني نسيتها، وجوه، أماكن، أصوات.
كأنني أتحرك في كل الاتجاهات، في كل الأبعاد
الممكنة، أرى كل شيء دفعة واحدة، أو أحاول على الأقل.
لكن في نفس الوقت…
أشعر بالضياع.
أشعر بدوخة خفيفة، كأن الأرض ليست ثابتة تمامًا.
أشعر بألم لا أعرف مصدره بالضبط، هل هو جسدي،
أم شيء أعمق؟
وأشعر، بوضوح مزعج…
أنني لا أفعل الصواب.
ومع ذلك… أبقى جالسًا.
أراقب.
أشرب.
أدخن.
وأحاول، رغم كل شيء… أن أكتب.
ك.ج

تعليقات
إرسال تعليق