حوار مع قلب متناقض
يهمس لي قلبي بأنني محظوظ، وكأن في داخلي نورًا خفيًا يعرف الطريق حتى حين أضلّه، ويهمس لي أيضًا بأنني منحوس، وكأن ظلاً ثقيلاً يتبعني أينما ذهبت…
تناقض لا أستطيع إنكاره، بل أعيشه كحقيقة يومية، كأنني معدن معلق بين مطرقة ونار، لا أدري هل أنا في طور الانكسار أم في طور التشكّل.
تأثير هذا التناقض على فكري ليس بسيطًا؛ إنه أشبه بعملية صهر مستمرة، تتناثر فيها أجزاء مني كشرر، وتتجمع من جديد في هيئة لا أتعرف عليها تمامًا… أكوان صغيرة تنفجر في داخلي، ونجوم تولد وتموت دون أن أملك رفاهية التوقف للتأمل الطويل.
لطالما أحببت في نفسي تلك القدرة الغريبة على أن أكون قريبًا من الأشياء البسيطة… من الشجر حين يصمت، من السماء حين تتسع، من التفاصيل التي لا يراها كثيرون. كنت أرى في ذلك نوعًا من النقاء، كأنني أستطيع أن أبني فضيلة داخل طريقة تفكيري، لا كقانون مفروض، بل كبنية داخلية، كشيء ينمو معي لا عليّ. كنت أفتخر بأنني أستطيع أن أتكيف، أن أتحمل، أن أصبر… لا الصبر السلبي، بل ذاك الذي يشبه جذور الأشجار، العميق، الصامت، الذي يحتمل الفصول كلها دون أن يفقد هويته.
لكن في الوقت نفسه، هناك شيء آخر… شيء لا أستطيع احتواءه بنفس السهولة. قوة مبهمة، لا تأتي دائمًا بشكل واضح، بل تتسلل في لحظات الضعف أو الفراغ، تدفعني نحو أشياء لا أرى فيها أي امتداد لتلك الفضيلة التي أؤمن بها. كأن أسهر الليل كله، لا بحثًا عن معنى، بل هروبًا منه… أهرب إلى أشياء أعرف مسبقًا أنها ستتركني أكثر تعبًا، أكثر تشتتًا. أو أن أنام طوال النهار، لا لأن جسدي يحتاج الراحة، بل لأنني لا أريد أن أفتح عينيّ على يوم جديد، على مواجهة صريحة مع نفسي، مع ذلك الصمت الذي يكشف أكثر مما يحتمل.
وأحيانًا، يبدو الأمر كنوع من جلد الذات… كأنني أعاقب نفسي دون أن أفهم الجريمة. أراقب ذلك الجزء مني الذي يختار الطريق الأصعب، أو ربما الطريق الأكثر تدميرًا، وأتساءل: كيف يمكن لشيء في داخلي أن يناقضني بهذا الشكل؟ كيف يمكنني أن أكون في الوقت ذاته من يسعى إلى المعنى، ومن يهرب منه؟
ومع ذلك… لا أستطيع أن أكره هذا الصوت، ولا أن أتجاهله. قلبي يهمس لي بالكثير، وأحب الإصغاء له، حتى حين يربكني، حتى حين يضعني أمام حقائق لا أريد رؤيتها. هناك شيء في داخلي يرفض الاستسلام الكامل، يرفض أن يتحول هذا التكرار إلى قدر نهائي. ربما أسقط، وربما أكرر الأخطاء، لكنني لا أفقد ذلك الخيط الرفيع الذي يربطني بمحاولة الفهم.
لأنني، في النهاية، لا أرى نفسي كشخص ضائع فقط، بل كشخص يحاول أن يفهم ضياعه… يحاول أن يقرأ هذا المد والجزر، لا ليوقفه، بل ليعرف إيقاعه. ربما أنا بحر لا يعرف السكون، أو ربما أنا في طور تعلم كيف أكون كذلك دون أن أغرق في نفسي.
هناك شيء ما يتشكل… ببطء، بتردد، بتناقض. شيء لا يولد من الصفاء فقط، بل من هذا الصراع نفسه. وكأنني، رغم كل شيء، لست فقط ما أفعله، بل أيضًا ما أعيه في فعلي، وما أبحث عنه رغم تكراري، وما أصرّ على فهمه حتى حين يعجزني.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق