أن تعيش و لا تفهم

 كم مرة وقفتُ عند حافة هذا السؤال، كأنني أقف عند شاطئ لا ينتهي، أحدّق في أمواج الحياة وهي تتكسّر أمامي، لا أفهم إن كانت تدعوني للغوص أم تحذرني من العمق…


كلما حاولتُ أن أكون خفيفًا، نقيًّا، كأنني خيط من نور يمشي على استقامة لا تنحني، تفاجئني الحياة بانحناءات حادة، بتفاصيل صغيرة لكنها موجعة، كأنها تختبر صلابتي، أو ربما تسخر من فكرتي عن الصفاء… فأعود متسائلًا: هل النقاء سذاجة؟ أم أن العالم أثقل من أن يحتمل قلبًا خفيفًا؟

ثم، حين أتعب… حين أترك نفسي تسقط قليلًا، لا كخيانة بل كاستراحة، أجدني أنجرف في طرق لا تشبهني، أرتكب أخطاء لا أشعر أنها أنا، وكأنني أراقب نفسي من بعيد، بلا تدخل، بلا مقاومة… لكن ما إن تهدأ تلك العاصفة، حتى ينهض داخلي قاضٍ لا ينام، يحاسبني، يرهقني، يعيدني إلى نقطة البداية، مثقلًا بشعور لا يمكن الهروب منه…

فأي طريق هذا الذي لا يرحم في الاتجاهين؟
إن استقمتُ، تعثرتُ بما لا أفهم…
وإن انحرفتُ، تعثرتُ بنفسي…

أحاول أحيانًا أن أعيش بلا تفسير، أن أطفئ هذا الصوت الذي يسأل، أن أكون كمن يمرّ بالحياة مرورًا عابرًا، لا يعلّق، لا يحكم، لا يغوص… لكن حتى هذا الهروب لا يكتمل، كأن في داخلي جذوة ترفض الانطفاء، توقظني بالألم، تذكرني أنني لست عابرًا كما أردت، بل شاهدًا ومشاركًا، مسؤولًا حتى عن صمتي…

أفكر… ربما ليست المشكلة في الأخلاق ولا في النزوة، بل في توقي إلى انسجام كامل لا وجود له… ربما الحياة لا تعادي النقاء، لكنها لا تضمن له الطريق، وربما السقوط ليس خيانة، بل جزء من الفهم…

وربما… وهذا ما يخيفني ويواسيني في آنٍ واحد…
أن الإنسان لا خُلق ليكون مستقيمًا كخط،
ولا فوضويًا كريح،
بل ككائنٍ يتعلم كيف يمشي وهو يختلّ،
وكيف يفهم نفسه وهو يخطئ،
وكيف يصالح هذا التناقض بدل أن يحاول قتله…

فهل أبحث عن جواب؟
أم أتعلم كيف أعيش السؤال…؟

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")