اعتراف متأخر قليلًا
كتبتُ نصوصًا بسرعة ونشرتها في مدوّنتي، لا لأنني كنت متأكدًا مما أريد قوله، بل لأنني كنت متعبًا من التفكير. أردت فقط أن أضع شيئًا خارج رأسي. حين عدت وقرأتها بعد أيام، لاحظت أمرًا بسيطًا ومزعجًا في الوقت نفسه: لم أكن أكتب عمّا يشغلني فعلًا. كنت أكتب حوله، بالقرب منه، لكن دون أن ألمسه مباشرة.
فكّرت في
حذفها. الحذف كان سيعني أنني تداركت الخطأ، أنني ما زلت أتحكم في صورتي ككاتب.
لكنني لم أفعل. تركت النصوص كما هي، وبدأت أقرأها بهدوء. لم أجد فيها كذبًا، لكنني
لم أجد فيها المخاطرة أيضًا. كانت نصوص شخص يعرف ما يجب أن يُقال، لا شخص يقول ما
يؤلمه.
عدت وجلست على
مكتبي، الحاسوب أمامي، موسيقى هادئة في الخلفية، وسجائر تتوالى دون أن أنتبه
للعدد. لم تكن لحظة إلهام، بل لحظة انتظار. كنت أنتظر أن تتشكّل فكرة واضحة، أن
يظهر موضوع واحد أستطيع الإمساك به، لكن الذي ظهر كان شعورًا عامًا بالارتباك،
بشيء غير محسوم.
أريد أن أكتب
حقًا، لكن كلما حاولت، اكتشفت أنني أكتب بطريقة دفاعية. أختار كلمات ذكية، جملًا
متوازنة، أفكارًا يمكن تبريرها. أفعل ذلك دون وعي كامل، كأنني أحاول أن أحمي نفسي
من شيء أعرفه جيدًا. الكتابة، بدل أن تكون كشفًا، صارت وسيلة إخفاء.
أنا أعرف ما
الذي يزعجني. أعرف خيبات الأمل التي لم أتعامل معها كما ينبغي، العنف الذي رأيته
أو شاركت فيه بالصمت، الأسئلة القديمة التي لم تختفِ رغم تغيّر الظروف. هذه ليست
أفكارًا مجردة، بل تجارب تراكمت، وبدل أن تتحوّل إلى مادة واضحة للكتابة، تحوّلت
إلى ثقل.
منذ سنوات وأنا
أكتب، وكنت أظن أن الاستمرار وحده دليل صدق. لكن الاستمرار لا يعني التقدّم
دائمًا. أحيانًا يعني الدوران في المكان نفسه، مع إتقان أكبر للصياغة فقط. صرت
أكتب وكأنني أراقب نفسي من الخارج، أصف التجربة بدل أن أعيشها داخل النص.
لم أعد أبحث عن
حكمة في الكتابة. فكرة الحكمة بدت لي مبالغًا فيها، وربما غير واقعية. ما أبحث عنه
الآن أبسط وأصعب في آن واحد: أن أكتب دون أن أتهرّب، دون أن أختبئ خلف أسلوب أو
فكرة عامة. لكن هذا أصعب مما يبدو، لأن الصراحة ليست قرارًا، بل مواجهة.
لا أعرف ما
الذي يمنحني السلام. لا أملك إجابة جاهزة عن الحب أو الوفاء أو العنف أو القسوة.
أعرف فقط أن محاولتي لتجميل هذه الأشياء بالكلمات لا تغيّرها، وربما لا تغيّرني
أنا أيضًا. الواقع لا يصبح أخفّ لأنه كُتب بشكل جميل.
ومع ذلك، أستمر
في الجلوس والكتابة. ليس بدافع الأمل الكبير، ولا بدافع اليأس الكامل، بل لأن
التوقف يبدو أسوأ. ربما الكتابة، في شكلها الحالي، ليست حلًا، لكنها على الأقل
طريقة لأبقى منتبهًا، ألا أتحوّل تمامًا إلى شخص يتجاهل ما يعرفه عن نفسه.
لا أدّعي أن
هذا النص أقرب إلى الحقيقة من غيره. ربما هو فقط أقل التفافًا. وربما الواقعية، في
النهاية، ليست أن تقول كل شيء، بل أن تعترف بأنك لم تعد قادرًا على الكذب بسهولة.
تعليقات
إرسال تعليق