عن الكتابة بعد استنفاد اللذة

 لا يبدو ممكنًا، منطقيًا على الأقل، أن تكون هذه الأطروحة صحيحة. ومع ذلك، ها هي تقف أمامي، بإلحاحٍ غريب، كأنها تريد أن تُفهم لا أن تُصدَّق.
أن تكون مستمتعًا بالكتابة، أو قادرًا عليها بصدق، فقط في تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك استنفدت كل وسائل الاغتناء باللذة. كأن العقل، بعد أن يُرهَق، بعد أن يُجرَّد من أوهام التعويض السريع، يصبح فجأة أكثر قابلية لرؤية شيء يشبه الحقيقة.
لكن… عن أي حقيقة أتحدث أصلًا؟
هل هناك حقيقة واحدة؟ أم أن ما أسميه حقيقة ليس سوى لحظة صفاء عابرة، تزامنت صدفةً مع تعبٍ جسدي أو فراغٍ داخلي؟
ربما لا أحاول الإمساك بحقيقة، بل تحرير فكرة. فكرة أن تكون صريحًا مع ذاتك، عاريًا تقريبًا، أمام مختبرٍ خفيّ من القوى الداخلية. تلك القوى التي لا تعمل دائمًا في الاتجاه نفسه:
أحيانًا تدفعك لأن تكون فضاضًا، متساهلًا، كأن كل شيء مباح لأنك “تستحق”.
وأحيانًا أخرى تحاصرك من الداخل، تحرقك بوعيٍ قاسٍ، وتُقنعك أن الراحة لا تكون إلا في المتعة، في أي شيء يمكن أن يُسمّى متعة، حتى لو كان هشًّا، مؤقتًا، أو مريبًا.
لقد عشت هذا الصراع طويلًا، وما زلت أعيشه. وليس من زاوية سطحية فقط، ليس بوصفه صراع رغبات وحاجات أو تراكم حرمان.
بل من منطق أعمق: من منطق أنك إنسان، فرد، تطوّر مع الزمن، واكتسب هذا... هكذا يُفترض، قابلية أن يختار.
أن يختار بحرية، بوعي، وبقدر من المسؤولية، حتى حين يعرف أن اختياره ليس نقيًا تمامًا.
ما زلت أؤمن، رغم كل شيء، أن الحياة أو الوجود إن شئت ليست أكثر من شبكة احتمالات.
أنني ربما كنت شخصًا مختلفًا تمامًا هذا الصباح.
ربما فقط لأنني أعرف شيئًا ما عن كيمياء الأشياء، عن تفاعل المزاج والجسد، عن أثر كأس جعة، أو تجربة صغيرة، أو حتى قرار عابر، في تحويل إيقاع اليوم كله.
ربما اخترت أن أشرب....ربما اخترت أن لا أفعل...ربما جرّبت أشياء أخرى فقط لأشعر بالفارق بين لحظات النهار والليل، بين الامتلاء والخواء، بين الهدوء والضجيج الداخلي.
ومع ذلك، أبقى دائمًا في مستوى أستطيع فيه أن أكتب بصدق.
ليس صدقًا أخلاقيًا متعاليًا، بل صدق التجربة: أن لا أخون ما أشعر به، حتى لو لم أفهمه تمامًا.
لا أدري
لكنني أحاول، حقًا، أن أشارك حياتي وتجربتي كإنسان، في عصرٍ تعقّدت فيه طرق تحليل الفرد.
عصرٍ يفضّل أن يردّ كل شيء إلى المجتمع، إلى البُنى، إلى المؤسسات، وينسى أحيانًا ذلك التمزّق الصغير، اليومي، الذي يحدث داخل شخصٍ واحد.
لا أدري إن كان ما أكتبه مهمًا.
ولا إن كان متماسكًا.
ولا إن كان سيُفهم كما أريده أن يُفهم.
لكنني أحاول.
وأرجو  فقط أن يفهمني قارئٌ ما، في مكانٍ ما، لا بوصفه حكمًا، بل بوصفه إنسانًا آخر يعرف هذا التردد، أو على الأقل لا يخاف منه.
ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")