آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

السكن في الغياب

لطالما عشت كمن يستعير نفسه ليوم واحد ثم يعيدها دون أن يسألها إن كانت بخير. أستيقظ في الصباح، أرتدي ملامحي بعناية، أخرج إلى العالم كأنني أعرف الطريق، بينما في داخلي تتراكم الأسئلة بلا أسماء، بلا عناوين، فقط ثقل خفيف لا يُرى لكنه يُتعب.

أمشي كثيرًا داخل رأسي. أركب أفكارًا لا تصل إلى محطات، أُقيم في احتمالات، وأقضي ساعات كاملة وأنا حاضر بالحد الأدنى، غائب بالحد الأقصى. الناس في العمل، في الشارع، في المقاهي العابرة، يرون شابًا يؤدي دوره بإتقان: يبتسم حين يجب، يصغي حين يُنتظر منه الإصغاء، ويتفاعل كما لو أن التفاعل جزء طبيعي من جلده. لكن خلف هذا كله، هناك فراغ مهذّب، شبح لا يزعج أحدًا، يعيش بسلام مع الآخرين لأنه لا يعرف كيف يعيش مع نفسه.

أستعيد الأمس كثيرًا، لا لأنه كان استثنائيًا، بل لأنه يشبه كل ما سبقه وكل ما سيأتي. يوم العاشر من فبراير، سنة ألفين وستة وعشرين، يوم كتبت فيه ثلاث مقالات، أو ربما كنت أكتب نفسي خارج نفسي. يوم مارست فيه الهروب بكل أناقته الممكنة: هروب بالكلمات، بالانشغال، بالتحليل، وحتى بالتعب. أتذكره كعلامة، لا كحدث. علامة تقول: كنت هنا، حتى لو لم أشعر بذلك تمامًا.

صرت أعرف الغد معرفة مُحبِطة. أعرف ساعاته، إيقاعه، لحظات الملل فيه، وأوقات التعب التي ستتسلل دون استئذان. الروتين لم يعد شيئًا أقاومه، بل شيئًا يسكنني. أحيانًا أشعر أنه هو من يعيشني، لا العكس. أحاول تغيير تفصيل صغير، حركة بسيطة، فكرة جانبية، لكنني أقف عاجزًا أمام هذا التكرار الذي يشبه جدارًا شفافًا: أراه، أعيه، ولا أستطيع كسره.

أنا تائه في عالم لا يملك تعريفًا واضحًا للأنا ولا للآخر. كل شيء متداخل، مختلط، حتى هويتي صارت سؤالًا مؤجلًا. أغترب عن نفسي بهدوء، دون ضجيج، ودون مأساة واضحة. فقط هذا الإحساس الثقيل بأنني لست في مكاني، أو ربما أنني لا أملك مكانًا أصلًا.

ومع ذلك، للعبث، تحدث لحظات صغيرة تنقذني مؤقتًا. حين أكون في حوار حقيقي، في تفاعل صادق، حين أنسى نفسي لثوانٍ وأنا أستمع أو أضحك، أشعر بهدوء جميل، كأن الحياة تومئ لي من بعيد. لكن هذا الهدوء هش، مؤقت، لأن فكرة أن أعيش وحيدًا تعود كصوت داخلي لا أستطيع كتمه. صوت يرسم عالمًا داكنًا، لا يترك لي فرصة لحب التفاصيل، لا يرحم ميلي البسيط للأشياء الصغيرة: فنجان قهوة، جملة مكتوبة جيدًا، موسيقى عابرة.

الآن، وأنا أكتب، أشعر بدوخة خفيفة، كأن الكلمات تسبق وعيي بخطوة. أحب أن أستمر، أن أفرغ كل ما تبقى، لكنني أعرف هذا الشعور: حين تتوقف الكتابة لا لأنها انتهت، بل لأن الجسد طلب هدنة. سأصمت قليلًا، لا كاستسلام، بل كنوع من الإصغاء. ربما في هذا الصمت، أقترب خطوة صغيرة من نفسي… أو على الأقل، لا أبتعد أكثر.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")