آخر ما نشر كارل!

من أكون عبر الزمن؟

  لطالما تعجبت من نفسي، ومن هذا الأسلوب في الكتابة الذي يعود إليّ دائمًا، مهما ابتعدت عنه أو ظننت أنني تجاوزته. لطالما جاء إلى ذهني كأول محاولة للتعبير عن شيء لا يختلف كثيرًا رغم مرور الزمن، وكأنني أعود في كل مرة إلى السؤال نفسه، وإلى الحيرة نفسها، وإلى ذلك الشعور الغامض الذي لا أعرف له اسمًا. أتذكر نفسي في السابعة عشرة من عمري، أجلس وحيدًا وأكتب بالطريقة نفسها تقريبًا، محاولًا أن أقول الشيء نفسه الذي أحاول قوله الآن. لم تكن الكلمات نفسها، ولم تكن الظروف نفسها، ولم أكن الشخص نفسه تمامًا، ومع ذلك كان هناك شيء ثابت، شيء يمر من خلال كل تلك السنوات دون أن يتغير كثيرًا. وأتذكر أنني كنت أتعجب من نفسي آنذاك كما أتعجب منها اليوم. وهذا ما يثير دهشتي. لقد مرت سنوات طويلة، تغيرت فيها الأماكن والأفكار والوجوه والأحلام، وخسرت أشياء كثيرة وربحت أشياء أخرى، وعرفت من الحياة ما لم أكن أعرفه، لكنني ما زلت أعود إلى ذلك التعجب الأول. ما زلت أنظر إلى نفسي وكأنني أنظر إلى شخص أعرفه وأجهله في الوقت نفسه. أحيانًا أشعر أنني لم أفهم نفسي بعد، وأحيانًا أشعر أنني اقتربت منها كثيرًا، ثم لا يلبث ذلك الشعور أن ي...

خمس دقائق لا تجد مكانًا

 ماذا يعني أن أطلب من شخص قريب خمس دقائق فقط، لا لأجادل ولا لأشرح، بل لأقول ما تراكم في صدري، فيجيبني بسؤال يبدو بسيطًا لكنه قاسٍ: هل ضروري أن تتحدث؟

كأن الكلام يصبح أمرًا زائدًا عن الحاجة، كأن التعبير عبء يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه. هذا السؤال لا ينهي الرغبة في الحديث فحسب، بل يزرع شكًا خفيًا: هل ما أشعر به يستحق أن يُسمع أصلًا؟

وفي الوقت نفسه، يتصل بي صديق آخر دون موعد أو تمهيد، ويتحدث لساعتين كاملتين. أكون حاضرًا، منصتًا، متفاعلًا، صادقًا في كل لحظة. لا أشعر بثقل، ولا برغبة في الهروب. أستمع بشغف حقيقي، كأن هذا هو مكاني الطبيعي في العلاقات: أن أكون الوعاء، المساحة، الشخص الذي يُؤتمن على الكلام لا الذي يقوله.

حين أضع هاتين الصورتين جنبًا إلى جنب، يتسلل إليّ إرهاق صامت. ليس لأنني أكره الاستماع، بل لأنني ألاحظ أن الأبواب تُغلق في اللحظة التي أحاول فيها أن أشارك ما بداخلي. كأن ما أحمله لا يجد مكانًا آمنًا، أو كأن دوري غير مكتوب ليكون صوتًا، بل صدى فقط.

منذ سنوات، تعلّمت  بهدوء ومن دون قرار واضح  أن لا أتحدث. قلّصت مساحات علاقاتي الاجتماعية، اختصرت الدوائر، واكتفيت بالحد الأدنى: العمل، الأسرة الصغيرة، صديق أو اثنان بالكاد. تمرّ السنوات على هذا النحو، ويصبح الصمت عادة، بل مهارة للبقاء. تخيّل أن تمرّ أعوام وأنت لا تتحدث إلا حين يكون الحديث مطلوبًا منك لا حين تحتاجه.

وأنا أكتب الآن، وأحاول ترتيب ملاحظتي على حروف نصوصي، يراودني شعور غريب: كأنني أعبّر عن شيء غير مسموح به. كأن المواجهة بالكلمات كسر لقيد خفي، قيد تعلّمت التعايش معه حتى ظننته جزءًا من الحياة نفسها. كأنني حين أواجه الجميع في مقالة واحدة، أرتكب فعلًا جريئًا أكثر مما ينبغي.

ما أبحث عنه ليس كثرة الكلام، ولا أن أكون مركز الاهتمام. ما أبحث عنه هو التوازن. العطف المتبادل. أن لا أكون دائمًا الشخص الذي يفهم، دون أن يُفهم، والذي يحتوي دون أن يُحتوى. أن لا يكون الإصغاء طريقًا باتجاه واحد.

أشعر أحيانًا أنني من أولئك الذين تعلّموا أن يكابدوا عتمتهم وحدهم. لا لأنهم أقوى من غيرهم، بل لأنهم لم يجدوا من يجلس معهم في الظلام. ومع ذلك، يفهمون عتمة الآخرين، يحسون بضعفهم وشقائهم، فيمنحونهم وقتًا ومساحة ليكونوا، وليَروا أنفسهم بوضوح.

ربما أنا من ذلك النوع الذي يرى مرآته بلا آخرين. يرى نفسه بعمق، لكنه لا يجد من يقف خلفه ليقول: أنا أراك. ومع ذلك، لا يزال يؤمن أن التوازن ممكن، وأن العطف حين يكون متبادلًا لا يرهق، بل يرمم ما تآكل بصمت.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")