إرادة الماء
من أكثر ما يرهق الكائن، أن يكون واعيًا، لا
على فترات، بل باستمرار، حاضرًا أمام تناقضاته دون مهرب، كأن الوعي نفسه تحوّل إلى
ساحة صراع مفتوحة بين ما يظنه حقيقة، وما يطفو من أعماقه دون استئذان. أن تعي صراع
الوعي واللاوعي في كل لحظة، ليس امتيازًا، بل عبء ثقيل، يجعل أبسط التفاصيل مشحونة
بتوتر غير مرئي، ويحوّل الصمت إلى ضجيج داخلي لا ينقطع.
أشعر أحيانًا أنني شريد، لا في مدينة أو مكان،
بل في حالة وجودية عالقة، شريد بين سحب مثقلة ببخار الماء، سحب خُلقت في الأصل
لتمنح الحياة، لتروي الأرض وتوقظ البذور النائمة، لكنها تظل معلّقة، مترددة، لا
تمطر ولا تنقشع. أنا تلك السحب، أو ربما ذلك الشريد الذي يسكنها، أحمل في داخلي
طاقة الخير وإرادة العطاء، لكنني عاجز عن تحديد اللحظة التي أتحوّل فيها إلى مطر،
أو الاتجاه الذي ينبغي أن أسقط فيه دون أن أدمّر ما أحاول إنعاشه.
لا أدري إلى أي حد أكتب بحدّة، ولا إن كانت هذه
الكتابة، بعد سنوات من التجربة والمكابدة، قد نجحت فعلًا في تحرير شيء من هذه
المعاناة السوداء المتراكمة. أحيانًا أشعر أن الكلمات لا تُخفّف الألم، بل تكشف
وزنه الحقيقي، تجعله أكثر حضورًا، أكثر التصاقًا بالقلب. هذا الألم ليس عابرًا، بل
ثقيل، مقيم، كأنه اتخذ من صدري موطنًا دائمًا لا ينوي الرحيل عنه.
أحاول، بصدق وبعناد، أن أعيش بسلام، أن أمارس
الحياة كما ينبغي، أن أؤمن بإمكانية التوازن، لكنني حتى حين أغمض عيني لأرى ما
أحب، لأستدعي صورة مطمئنة أو حلمًا بسيطًا، أجد نفسي في ظلام لا يمنح الراحة، بل
يكشف واقعًا متناقضًا، واقعًا يحكم كل شيء دون استثناء: اللحظة، الحاضر، هذا الآن
الذي لا يرحم. هناك، في تلك المساحة المعتمة، يتجلى ما أسميه الصراع، لا كفكرة، بل
كحالة دائمة.
ربما أنا فرد قلق، وربما يسكنني شك عميق لا
يهدأ، شك يتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة، يجعلني أعيد التفكير في البديهيات، وأرتاب
حتى من لحظات الفرح. ومع ذلك، ورغم هذا التآكل الداخلي، أعلم أنني كائن محب، حالم،
وطموح، لا يزال يؤمن بالخير، لا لنفسه فقط، بل للعالم أيضًا، كأن هذا الإيمان هو
الخيط الأخير الذي يمنعني من الانهيار الكامل.
رأسي يؤلمني حقًا، ليس كوجع جسدي فحسب، بل
كإشارة إلى حملٍ يفوق الاحتمال. أحيانًا أؤمن أن جسدي، في لحظة ما، قد ينفجر أو
يتلاشى، لأنه لا يستطيع إلى الأبد أن يحتضن قوتين متصارعتين بكل هذا العنف. قوتان
متناقضتان، وكلتاهما قويتان: قوة اللذة والشر، وقوة الحب والصبر والفضيلة. وأنا،
في المنتصف، أحاول فقط أن أبقى، أن أفهم، أن أستمر.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق