آخر ما نشر كارل!

هل خُلقنا للراحة؟

  كيف يكون الشعور حين يقرر الإنسان أن يرتاح؟ لا أقصد الراحة بمعناها البسيط، كأن يتوقف عن العمل أو يخلد إلى النوم، بل تلك اللحظة التي يمنح فيها نفسه إذناً داخلياً بالتوقف عن المقاومة. لحظة يقول فيها لنفسه إن ما حمله من أفكار وأسئلة وقلق يكفي مؤقتاً، وإنه يستحق بعض السكينة. لكن ما يحيّرني هو أن هذه اللحظة بالذات كثيراً ما تكون بداية شيء آخر. فما إن أظن أنني بدأت أرتاح حتى تنفجر في داخلي عاصفة لا أفهم مصدرها. وكأن شيئاً ما كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لكي يظهر ويعلن رفضه. أحياناً أشعر أن جزءاً خفياً في داخلي يعتبر الراحة نوعاً من الخيانة. لا خيانة لواجب اجتماعي أو لمسؤولية عملية، بل خيانة لحقيقة ما أعرف وجودها دون أن أستطيع الإمساك بها بالكامل. كأن هناك معاناة أعمق من المعاناة اليومية، معاناة مرتبطة بالوعي نفسه، مرتبطة بإدراك هشاشة الأشياء وغموضها وتناقضها. وعندما أحاول أن أهدأ وأتصرف كأن الحياة مستقرة ومفهومة، ينهض ذلك الجزء محتجاً، كأنه يقول لي إنني تجاهلت شيئاً أساسياً، وإنني حاولت أن أعيش داخل صورة مريحة للعالم بدل أن أواجه ما يكمن خلفها. ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً هو أنني لا أعرف...

شكل جديد للغياب

 كان لا بدّ أن أفكّر في الأمر مرّات كثيرة، وكأنّ التفكير نفسه أصبح فعلًا مؤجّلًا، أو طقسًا صباحيًّا لا يكتمل. يشبه الأمر أن تستيقظ كلّ صباح وتضع عينيك على الساعة، لا لتعرف الوقت، بل لتقيس ثقل البداية. تفكّر في الساعة الأولى، تلك التي يُفترض أن تكون أخفّ الساعات وأصدقها. تمرّ الساعة، ثم الثانية، ويقترب النهار من منتصفه، وأنت لا تزال في سريرك، محاصرًا بسؤال بسيط: ماذا سأفعل في الساعة الأولى؟

كنت أعرف جيّدًا أنّ الفكر والعاطفة لا يلتقيان دائمًا في نقطة توازن. كنت أرى ذلك بوضوح، لا كفكرة فلسفية، بل كتجربة يومية. العاطفة كانت تسبق، تندفع، وتحتلّ المساحة كلّها، بينما يصل الفكر متأخرًا، متردّدًا، كأنه يعتذر عن حضوره. كان هذا مفهومًا بالنسبة لي، ولم أكن أقاومه كثيرًا، وربما لهذا السبب بالتحديد بدأت الآن فقط أدرك حجم هذه الحقيقة، لا كحكم، بل كاكتشاف هادئ.

هذا الصباح، في يومه الثاني من سنة 2026، انتبهتُ إلى شيء صغير لكنه صادق: لقد نضجتُ قليلًا. ليس نضجًا دراميًّا، ولا تحوّلًا مفاجئًا، بل نضج يشبه الأرقام حين تتقدّم بهدوء. سنة جديدة أضيفت، دون ضجيج. لم أحتفل بنهاية السنة، ولم أفتعل أيّ طقس يعبّر عن اضطراب داخلي أو عن انتظارات كبيرة من العالم. ومع ذلك، لا أستطيع أن أنكر أنّني، بطريقتي الخاصة، كنت أحتفل. احتفال داخلي، صامت، يشبه الاعتراف.

بدأت أحبّ طريقة كتابتي لخواطري. أحبّ هذا الشكل الحرّ، غير الخاضع لأيّ نظام أو هدف. ألفتُ أن أكتب دون أن أبرّر، دون أن أشرح. ربما اليوم سأكتب مئة نص، وربما لن أكتب سوى سطر واحد، لكن الأمر لم يعد يقلقني. أشعر بأنني أدبدب في جوّ جميل، كطفل يكتشف أرضًا جديدة بخطوات صغيرة، غير واثقة، لكنها صادقة.

بدأت أقبل حزني، لا كضيف ثقيل، بل كجزء من الأثاث الداخلي. شيئًا فشيئًا، دون مقاومة كبيرة. بدأت أعتاد على هذا الموت الجديد؛ موت لا يوجع كثيرًا، لكنه يغيّر شكل الأشياء. موت لبعض التوقّعات، لبعض الصور القديمة عن نفسي وعن العالم. وربما، في هذا الاعتياد الهادئ، تكمن بداية حياة أكثر صدقًا، أو على الأقل، أقلّ ادّعاءً.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")