شكل جديد للغياب
كان لا بدّ أن أفكّر في الأمر مرّات كثيرة، وكأنّ التفكير نفسه أصبح فعلًا مؤجّلًا، أو طقسًا صباحيًّا لا يكتمل. يشبه الأمر أن تستيقظ كلّ صباح وتضع عينيك على الساعة، لا لتعرف الوقت، بل لتقيس ثقل البداية. تفكّر في الساعة الأولى، تلك التي يُفترض أن تكون أخفّ الساعات وأصدقها. تمرّ الساعة، ثم الثانية، ويقترب النهار من منتصفه، وأنت لا تزال في سريرك، محاصرًا بسؤال بسيط: ماذا سأفعل في الساعة الأولى؟
كنت أعرف جيّدًا أنّ الفكر والعاطفة لا يلتقيان
دائمًا في نقطة توازن. كنت أرى ذلك بوضوح، لا كفكرة فلسفية، بل كتجربة يومية.
العاطفة كانت تسبق، تندفع، وتحتلّ المساحة كلّها، بينما يصل الفكر متأخرًا،
متردّدًا، كأنه يعتذر عن حضوره. كان هذا مفهومًا بالنسبة لي، ولم أكن أقاومه
كثيرًا، وربما لهذا السبب بالتحديد بدأت الآن فقط أدرك حجم هذه الحقيقة، لا كحكم،
بل كاكتشاف هادئ.
هذا الصباح، في يومه الثاني من سنة 2026،
انتبهتُ إلى شيء صغير لكنه صادق: لقد نضجتُ قليلًا. ليس نضجًا دراميًّا، ولا
تحوّلًا مفاجئًا، بل نضج يشبه الأرقام حين تتقدّم بهدوء. سنة جديدة أضيفت، دون
ضجيج. لم أحتفل بنهاية السنة، ولم أفتعل أيّ طقس يعبّر عن اضطراب داخلي أو عن
انتظارات كبيرة من العالم. ومع ذلك، لا أستطيع أن أنكر أنّني، بطريقتي الخاصة، كنت
أحتفل. احتفال داخلي، صامت، يشبه الاعتراف.
بدأت أحبّ طريقة كتابتي لخواطري. أحبّ هذا
الشكل الحرّ، غير الخاضع لأيّ نظام أو هدف. ألفتُ أن أكتب دون أن أبرّر، دون أن
أشرح. ربما اليوم سأكتب مئة نص، وربما لن أكتب سوى سطر واحد، لكن الأمر لم يعد
يقلقني. أشعر بأنني أدبدب في جوّ جميل، كطفل يكتشف أرضًا جديدة بخطوات صغيرة، غير
واثقة، لكنها صادقة.
بدأت أقبل حزني، لا كضيف ثقيل، بل كجزء من
الأثاث الداخلي. شيئًا فشيئًا، دون مقاومة كبيرة. بدأت أعتاد على هذا الموت
الجديد؛ موت لا يوجع كثيرًا، لكنه يغيّر شكل الأشياء. موت لبعض التوقّعات، لبعض
الصور القديمة عن نفسي وعن العالم. وربما، في هذا الاعتياد الهادئ، تكمن بداية
حياة أكثر صدقًا، أو على الأقل، أقلّ ادّعاءً.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق