حين لا ينقذنا الشك
أحيانًا يتأتّى لي، لا بوصفه خاطرًا عابرًا بل كقناعةٍ ثقيلة، أنّ مشاكل الحياة لا تُحلّ في يومٍ واحد، ولا حتى في سلسلة أيّامٍ متجاورة. كأنّ الزمن نفسه يتواطأ مع التعقيد، فيؤجّل الفهم ويؤخر الخلاص. بل أذهب أبعد من ذلك، فأقول إنّ العثور على مخرجٍ فرديّ من وحل الذات يبدو شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا في بعض اللحظات. تلك الذات التي تتشكّل في كل شيء، وتنعكس في التفاصيل الصغيرة قبل القضايا الكبرى، ثم لا يبقى لها يقينٌ صلب سوى حقيقة واحدة: أنّ الشك، مهما بدا ذكيًا أو حادًا، لا يملك قدرة حقيقية على إنقاذها أمام تناقضات هذا العالم وفوضاه المتشابكة.
هذا العالم الذي يبدو لي، كلما أمعنت النظر،
عنيفًا في صمته كما في ضجيجه، قاسيًا في إيقاعه، خاليًا من أي إحساسٍ عميق بمنطق
الحياة. منطقٍ كان يفترض به أن ينبع من قلب الإنسان، ذلك القلب الرفيق بالإنسان
وبالطبيعة معًا، لا المتسلّط عليهما ولا المنفصل عنهما. لكن ما نراه اليوم هو
اختلالٌ مستمر: عقلٌ يسبق القلب، ومصلحةٌ تطغى على المعنى، وحركةٌ لا تمنح الوقت
الكافي للإصغاء.
إنني أحاول… وأحيانًا أُجبر، على أن أسجن نفسي
داخل حالةٍ اجتماعية مبهمة، حالة لا هي عزلة خالصة ولا اندماج كامل. أكون في مكانٍ
ما بين الآخرين الغرباء، محاطًا بوجوهٍ لا تعرفني ولا أعرفها، ومع ذلك تشاركني
الهواء والوقت والضجر. في هذا الحيّز المعلّق، أكتب. أكتب كمن يفاوض نفسه، أو كمن
يحفر ببطء في طبقات داخله بحثًا عن أثرٍ لما كان يومًا معنى. لا أدرك تمامًا إلى
أي مدى يمكن لهذا الوحي، الخارج من صراع قوى داخلية لا تهدأ، أن يعبّر عن حالة
حياة الإنسان المعاصر، أو أن يكون مرآة صادقة لما أعيشه أنا بالذات.
لكن ما أدركه، بوضوحٍ لا يقبل التراجع، أنّني
لن أتوقف عن الكتابة. فالكتابة ليست ترفًا ولا مهربًا، بل فعل مقاومة هادئة،
ومحاولة مستمرة لترميم ما يتصدّع في الداخل. هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها
أن أظلّ شاهدًا، ولو مرتبكًا، على هذا الوجود المتقلّب، وعلى إنسانٍ لا يزال، رغم
كل شيء، يبحث عن معنى وسط هذا التشظي.
ك.ج
تعليقات
إرسال تعليق