آخر ما نشر كارل!

حواريات مارتن و كارل : بين الأشجار

  المكان: حديقة هادئة عند آخر النهار. تمتد الأشجار على جانبي الممر، وتتحرك أغصانها مع ريح خفيفة. يجلس مارتن على مقعد خشبي، بينما يقف كارل غير بعيد عنه، يراقب الأطفال وهم يركضون بين الأشجار. كارل: يا مارتن، أحب أن أستريح. أحب أن أجري بين الأشجار وأمرح بأيامي، دون أن أشعر بأنني مطالب طوال الوقت بأن أكون شخصًا آخر. لا أريد أن أقع في الأخطاء نفسها كل يوم. هل تساعدني، أرجوك؟ مارتن: وكيف أستطيع أن أساعدك يا كارل، وما تريد الهروب منه هو نفسه الذي أهرب منه؟ أو لنقل بيقين أكبر: هو نفسه الذي يحاول الجميع أن يهربوا منه. كارل: أعرف ذلك… لكنني معجب بشخصيتك بالضبط. يصمت قليلًا، ثم يجلس بجانبه. هنالك ملاحظات تأتيني كلما فكرت فيك، أو كنت جالسًا بجانبك هكذا. تبدو لي الإنسان الوحيد على هذا الكوكب الذي لا يحاول أن يهرب. والأغرب أنك تقول لي الآن إنك تهرب أيضًا؛ من القلق نفسه، ومن هذا التفكير الزائد الذي نعيشه جميعًا، ربما دون أي استثناء. لكن لا بد أنك تعرف شيئًا لا أعرفه. لا بد أنك تعرف كيف تبقى فرحًا، أو كيف تعود إلى فرحك بسرعة. فهل تشرح لي كيف تهرب أنت أيضًا من القلق، ومع ذلك تظل قادرًا على أن تضحك،...

مغامرة الليل

 لا بد أن يأتي الصباح، لا بد أن تشرق الشمس، وأن تعود السماء إلى بياضها المعتاد، تتناثر فيها السحب الخفيفة كرسومات طفل لم يتعلّم بعد معنى الإتقان. لا بد أن ينهزم الليل في النهاية، هكذا أقول لنفسي، وكأنني أواسيها أكثر مما أوقن.

أردد هذه الجملة في داخلي، بصوت خافت لا يسمعه أحد...بجانبي مجموعة من الشباب، فتيان وفتيات، أكثر من خمسة، ضحكاتهم عالية، كلماتهم تتقاطع، وأيديهم تتحرك كما لو أنهم يحتفلون بلحظة نادرة، ربما لقاء أول، أو وعدًا غير معلن بشيء سيبدأ ولن يكتمل.

أما أنا، فكنت على أريكة في الزاوية، وحدي كما اعتدت، أحتسي جرعتي ببطء، وأفتح حاسوبي كمن يفتح نافذة سرية. أكتب في هدوء، لا هدوء المكان، بل هدوء القرار. أبحث عن لحظة لا أعرف شكلها بعد، لكنني أعرف أنها إن حضرت، فلن تطيل المقام.

صخب الحانة كان كثيفًا، لكنه لم ينتصر. قاومته كما يُقاوَم طنين قديم، وركزت بصري وذهني، أفتش عن الكلمات واحدة واحدة، كأنني أرتّب وقتي من جديد، دقيقة فوق دقيقة، محاولًا أن أستعيد إحساسي بالسيطرة.

الليل… هذا الكائن الذي لا يُهزم. أنتظره كل صباح، وأخافه كل مساء. أعرف طقوسه، إغراءاته، ووعوده الكاذبة. لا أفكر ليلًا في نجاحي، ولا فيما أنجزته أو سأُنجزه. الليل لا يهتم بذلك. الليل يسألني فقط: من أنت حين لا يراك أحد؟

في الليل أراجع انهزامي، لا انتصاراتي. أرى نفسي ألين أمام أفكار اللذة، وأبرر ضعفي بذكاء مريب. كأن الليل يمنحني تصريحًا مؤقتًا للانتقام من كل ما كبتّ، من كل ما أخّرت، من كل ما خذلت به ذاتي باسم العقل والواجب.

لكن هذه الليلة مختلفة. أشعر بذلك دون حاجة إلى تفسير. حتى إحساسي بالجسد ليس كما كان. هناك قوة خفيفة، يقظة غير معتادة. لم أفرط في كل شيء كما أفعل عادة، وكأنني وضعت حدودًا غير مرئية. ليلة البارحة كنت صريحًا مع نفسي إلى حد مؤلم، وقفت أمامها بلا أقنعة، وطلبت منها التغيير. لم أعد أذكر الكلمات، لكنني أذكر الإحساس: صدق نادر.

لهذا، لا أستغرب أن أكتب الآن بهذه الطريقة. أنا لا أشبع من الكتابة، لأنها الشيء الوحيد الذي لا يخونني في الليل. وهذا الليل بالذات ليس مجرد وقت عابر، بل مغامرة واعية. مغامرة أن أكون حاضرًا، أن أعرف ما أفعل، وأن أعرف  وربما للمرة الأولى  ما الذي يجب ألا أفعله.

ك.ج

تعليقات

أكثر التدوينات قراءة

مفهوم الجسد عند ديكارت

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة العاشرة و الأخيرة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ السفسطائيون)

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثامنة ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ أناكساغوراس)

كانط في المستقبل و نصوص أخرى

ينمو التفكير في عقل الإنسان: المقالة الثانية ( أفكار فلاسفة ما قبل سقراط/ فلاسفة الطبيعة)

ينمو التفكير في عقل الإنسان ( المقالة الأولى " نحوَ فلاسفة ما قبل سقراط")